* الوطنيّة باعتبارها هويةً ومحور انتماء وولاء بين جماعة من الناس:
وهذا المعنى ظاهرٌ ظهورًا واضحًا عند دعاة الوطنية، حتى ممّن يحملون أسماء مسلمين! إذ إنّ جعلَ الولاء منعقدا على شيء غير الإيمان والإسلام هو في ذاته"جاهلية"حرّمها الله ونهى عنها، على النحو الذي تبيّن لدينا في الفصول السابقة بما لا يحتاج منّا إلى مزيد بيان أو إعادة، وبيّنا كيف ينبغي أن تكون الهويّة"إسلاميّة"فحسب؛ حيث إنّ الإسلام هو محور الاستقطاب"القيميّ"الوحيد الذي ينبغي أن يستقطب الجماعة المسلمة.
وفي تحديد رابطة العقيدة في الله كرابطة وحيدة يتجمّع حولها الناس، لا المصالح الأرضية ولا القوم ولا الأهل يقول الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) .
فانظر كيف وضع الله - سبحانه - الأواصر القومية والمصالح الاقتصادية والوطن في كفّة، والعقيدة الصحيحة في الله في كفّة أخرى ورجّحها، فينبغي إذن أن تكون هي صاحبة الثقل الأكبر وصاحبة الأولويّة عند المسلم.
ثم إنّه لا شرعية في الإسلام للتجمّع على غير الكتاب والسنة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)
وجعل الله - سبحانه - عقد الولاء على"الإيمان"وحده لا شيء سواه من وطن أو جنس أو مصالح مشتركة، وإلا فلا شرعية لهذا الولاء: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) .
ومفهوم"الأمة"في الإسلام لا ينحصر بالمجموعة من البشر تعيش على أرض مشتركة وتجمعها مصالح مشتركة وتستخدم لغة مشتركة، ففي الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ورد:"بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبيّ الأميّ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمّة واحدة من دون الناس"، وجاء فيه أيضا:"وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس" [1] . فالمحكّ هو "الإيمان" للدخول في مسمى الأمة الواحدة [2] .
* لا إنسانية النزعة الوطنية:
إنّ التفرقة بين الناس والتفاضل بينهم على أساس مكان مولدهم ونشأتهم ومعاشهم هي أمر"لا إنساني"مرفوض؛ لأنّه يقوّم الناس وفقًا لكيانهم"الجبري"الذي لا خيار لهم فيه، بينما الأصل أن يكون تقويمنا للناس وفقًا لأفكارهم ومعتقداتهم وأعمالهم (الكيان الاختياري) ، أي بحسب ما اختاروه هم بإرادتهم الحرّة، لا ما قُدّر عليهم دون إمكانية قبوله أو رفضه
(1) (السيرة النبوية لابن كثير 2/ 321) .
(2) راجع إن شئت فقرات بعنوان"تحقيق معنى الأمة في صورته الحقيقيّة"في كتاب"واقعنا المعاصر"للأستاذ محمد قطب.