الصفحة 90 من 92

والمناسبات هو الذي يتتبّعه هؤلاء بشغف، ويكون أوّل من يرصد هذه المظاهر كلّها ويطبّقها في بلاد المسلمين هو صاحب"المفخرة"الذي يواكب العصر بكل مستجدّاته!

ولقد تبدّت في ضعف اللسان العربي، وضعف التحدّث باللغة العربيّة ولو بلجهة عامّية، واستخدام كلمات وتعبيرات للغات أجنبيّة أثناء الحديث مع العرب كالإنجليزيّة والفرنسية والعبرية وغيرها [1] .

والمخاطر التي تهدّد الهويّة الإسلاميّة كثيرة أيضا، وقد ذكرنا في الفصول السابقة أبرز التيارات التي هدّدت ولا زالت تهدّد الهويّة الإسلامية وتحاول طمسها؛ كالوطنيّة والقوميّة. وهناك مخاطر أخرى أهمّها"العولمة"التي تعمل على طمس معالم الهويّة الإسلاميّة، وتذويب شخصيّة المسلم وصهرها في أتون"الثقافة العالمية". ممّا يؤدّي إلى تشويه هويّة المسلم بعد أن يضعف استقطاب ثقافته الإسلامية له أمام قوّة الاستقطاب للثقافة الغربيّة الطاغية في العالم. ولا مجال لإنكار كيد أعداء الأمّة الإسلاميّة لها في هذا الباب، فهو ثابت حتى يُبعث الخلق يوم القيامة: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة: 217) . وقال تعالى قبل ذلك في نفس الآية:"وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ". وإنّ فتنة المسلم عن دينه وتمييع هويّته عن طريق اختلاطها بغيرها من الهويّات وضعفها أو طمسها لهي من أخطر الفتن التي يتعرّض لها المسلمون في الواقع المعاصر.

والتيّارات العلمانيّة التي تعمل داخل العالم الإسلامي هي من أشدّ المخاطر على هويّة الأمّة؛ حيث تعمل هذه التيّارات والأحزاب والجمعيّات على"تغريب"ثقافة الأمّة، وعلى تغيير انتماء المسلم بدعاوى الوحدة الوطنيّة والانتماء العربيّ الواحد، وتعمل على بعث التراث الوثنيّ في كل بلد من بلاد المسلمين بغية إعلاء الرابطة الوطنيّة على الرابطة الإسلامية، وعلى إحلال الثقافة الغربيّة مكان الثقافة الإسلاميّة في عقول المسلمين. وتتمحور حول قضايا دخيلة على الأمّة الإسلامية كقضيّة تحرير المرأة، والتخلّص من سيطرة رجال الدين، وغيرها من القضايا. مع أنّ النظرة الموضوعية لمشكلات العالم الإسلاميّ"الأصيلة"تكشف بأنّ قضيّة"تحرير المرأة"وقضيّة"التخلّص من سيطرة رجال الدين"هي قضايا غريبة على العالم الإسلامي، نشأت في أوروبّا في ملابسات خاصّة بالقوم هناك، وإنّما هؤلاء مقلّدون حملوا الثقافة الغربية وحملوا معها مشكلات القوم لينعقوا بها في بلاد المسلمين [2] !

والمناهج التعليميّة مليئة بما يطمس هذه الهويّة ويعاديها؛ فواضعوا هذه المناهج هم في الغالب من المتغرّبين أصحاب الأفكار العلمانيّة القوميّة والوطنيّة، فكان طبيعيّا أن تكون الثقافة التي يضعونها لتشكيل عقليّة الطالب المسلم منسجمة مع أفكارهم ومفاهيمهم.

وامتلأت العقول المتغرّبة بالأفكار والمناهج الهدّامة المخالفة للفطرة فضلا عن مخالفتها للإسلام! كالحداثة والوجوديّة واللاأدرية ونسبية الحقائق والإباحيّة، ورسبت هذه الأفكار في مجتمعات المسلمين وكان لها أثرها الفاعل في خلخلة

(1) إقرأ إن شئت مقالي"اللغة الهجينة: أسباب الولادة وعوامل الإجهاض"، وهو منشور على مدوّنتي"مدونة أضواء"، وعلى موقع"المركز العربي للدراسات والأبحاث".

(2) إقرأ في هذا الصدد كتاب"قضيّة التنوير في العالم الإسلامي"للأستاذ محمد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت