ج- وعرفها البعض بأنها: تعني التعبير الصادق عن الانتماء للوطن بالقول والعمل، والإسهام الفعال في الدفاع عن الوطن ضد أية تحديات خارجية، والإسهام في تقدمه ورفعته وإعلاء شأنه بين الأوطان. وعليه فإن مقياس الوطنية هو: مقدار الرصيد الوطني الذي يُسجله كل مواطن من أجل الوطن. بمعنى: أنّ الفرد لا يكتسب الوطنية إلا بالعمل لصالح الوطن والجماعة معًا [1] .
فالوطنية مفهومٌ مبنيّ على واقع معيّن، هذا الواقع هو الدولة القطرية التي يرتبط فيها الناس بعضهم ببعض برابط"الوطنية"أو"المواطنة"، بغضّ النظر عن معتقداتهم ومللهم وأفكارهم ووجهات نظرهم في الحياة. ففي التعريف"ب"يقول عنها إنها:"الشعور الجمعي الذي يربط بين أبناء الجماعة، ويملأ قلوبهم بحبّ الوطن والجماعة"، فمحور الاستقطاب للجماعة وفق هذا التعريف هو"الوطن". وفي التعريف"ج"يقول إنها"تعني التعبير الصادق عن الانتماء للوطن بالقول والعمل"، فمعيار الانتماء هو"الوطن"، والمنتمون إليه هم"الوطنيّون"ومحور استقطابهم هو هذه الوطنية التي تجمعهم.
والقضيّة أنّ هذه المعاني كلّها مرتبطة بمفاهيم حديثة نشأت في أوروبا في العصر الحديث ودخلت إلى العالم الإسلامي على النحو الذي بيّنّاه في فصل"الخلفية التاريخية لانحراف مفهوم الهوية"، فالعودة إلى النصوص الشرعية من القرآن والسنة، وإلى السيرة النبويّة للدلالة على الأصل الشرعي لمفهوم"الوطنية"هي عملية"اعتسافية"تهدف إلى التوفيق بين هذا المفهوم وبين المفاهيم الشرعية، مع أنّ المسلم لم يطالب بأن يجد للواقع - أيّا كان - متّكأ من الأدلة الشرعية، بل هو مطالب بأن يقيس كل"واقع"مُحْدَثٍ بالمقياس الشرعي بشكل موضوعي؛ أي بفهم الواقع على ما هو عليه، بالمعاني التي تشكّل بها، ثم العودة إلى النصوص الشرعية لقياس"شرعيّة"هذا الواقع من عدمها، ويكون وضعه الشرعي واحدا من خمسة حالات: واجبٌ أو حرامٌ أو مكروهٌ أو مندوبٌ أو مباح. ولذا فإنّنا في موضوع الوطنية علينا أوّلا أن ننظر إلى واقعها المعاصر - مفهوما ... وتطبيقا -، فنستخلص معانيها كما هي على الحقيقة في الواقع، وكما هي عند القوم الذين ابتدعوها ونشأت عندهم، ثم نقيس هذه المعاني بمقياس"الشرع"ونتبيّن حينها توافقها مع الشرع أو مجافاتها وتناقضها معه. وهذه هي الطريقة الشرعية للحكم على واقع معيّن استجدّ في حياتنا، أما الطريقة"التوفيقيّة"في البحث والتي تقترب إلى أن تكون"إعطاء شرعية"للواقع أكثر ممّا هي"قياسٌ لشرعيّته"، أمّا هذه الطريقة ففيها مجافاة لما تقرّر عند علماء المسلمين من طرق الاجتهاد الشرعي منذ عصر الأئمة المجتهدين.
ونحن في بحثنا هذا ننتهج طريقة رصد المعاني المتشكّلة في الواقع المعاصر - مفهوما وتطبيقا - وتجميعها، ثمّ قياسها بالمقياس الشرعي، فإنْ كانت مخالفة للشرع بيّنا ذلك بالأدلة القاطعة، وإنْ كانت غير مخالفة بيّنا ذلك. وإذا أردنا استخلاص المعاني التي تكرّرت وترسّخت في الواقع المعاصر حول مفهوم"الوطنية"، نخرج بأسس ومحاور تشكّل صلب مفهوم الوطنية؛ بحيث إذا ما اختفت هذه الأسس والمحاور لم يعد للوطنية حقيقة محسوسة غير العبارة! ونخرج بمعانٍ أخرى ارتبطت بالوطنية من دون أن تكون محورها الأساسي وإنما هي توابع لها.
-معاني الوطنية في الواقع المعاصر:
(1) إلى هنا ينتهي النقل من بحث"مفهوم الوطنية والتأصيل الشرعي".