والتاريخ الوثني، هذا إلى أن الحركة الإنسانية كان لها أثر هائل في تضاؤل عنصر المعجزات في عملية تفسير أحداث (التاريخ) فضلًا على تضاؤل (الآثار العاطفية) (للملحمة المسيحية) ، ومع ذلك لا ينبغي أن نتصور أن الغالبية العظمى من الإنسانيين كانوا من الخارجين على الدين، أو المتشككين في الديانة المسيحية وإنما الغالب أنهم تجاهلوا -ولم ينكروا- مزاعم اللاهوت والجدل الديني، ويرجع ذلك إلى حد ما إلى تأثير النزعة الكاثوليكية.
وهكذا قدر للتاريخ الوثني أن يستعيد -إلى حد ما- مكانته البارزة التي فقدها على أيدي الكتاب المسيحيين بصفة عامة [1] .
وكان ظهور (( مارتن لوثر ) )عودة جديدة إلى الرؤية المسيحية للتاريخ، بل إن حركة الإصلاح الديني بقيادة (كالفن) و (لوثر) أعطت الجهد البشري في تفسير التاريخ تقديرًا أقل مما أعطته الكنيسة في سالف عهدها، ولم يقتصر الأمر على أن تصبح العقيدة الدينية، والمنظمات التابعة لها هي صاحبة المقام الأكبر والأول في مقام البحث التاريخي، بل إن التاريخ العالمي صور مرة أخرى على أنه الصراع الكبير بين الله والشيطان [2] .
(( وغني عن القول أن إحياء النزعة الدينية في مجال الاهتمامات التاريخية كانت ضربة قاصمة للموضوعية الخالصة التي لمسناها في كتابات بعض المؤرخين أمثال (( جويكورديني ) )؛ بقدر ما كانت بالغة الضرر بالنسبة للحفاظ على الاتجاه الدنيوي في كتابة التاريخ؛ وهو الاتجاه الذي كانت تمثله المدرسة الفلورنسية.
كذلك ترتب على إحياء تلك النزعة ضعف الاعتقاد بأن دراسة التاريخ تتم بدافع من حب الاستزادة من المعرفة وزيادة حصيلة المعلومات عن الماضي، وهو الأمر الذي أضنى (( بولبيوس ) )نفسه من أجله، ذلك لأن التاريخ في تلك الظروف الجديدة أصبح أداة عملية معرفية تأويلية متعصبة بدرجة لا تقل عنفًا عما كان عليه أيام القديس (( أوغسطين ) )وتلاميذه: وبعبارة أخرى فإن النظرة إلى الماضي في ذلك العصر جعلت (ترسانة) شاسعة ومتنوعة يستمد فيها الفريقان المتخاصمان أسلحة وذخيرة لا حدود لها لاستخدامها في تشويه صورة خصومهم. كذلك ظهر هناك تجاهل خفيف لمبادئ النقد التي أحياها خيرة كتاب المدرسة الإنسانية؛ وذلك أن أتباع كل مذهب من المذاهب الدينية كان يحاول أن يجد في الماضي ما يؤيد وجهة نظره، بينما يبذل جهده في أن يظهر معارضيه في أقبح صورة )) [3] .
وخلال القرنين -التاسع عشر ومطلع العشرين- لمعت أسماء من أمثال (فرديك شبلنج ت 1845 م) الذي كان متأثرًا إلى حد كبير بآراء فيخته (الذي كان مؤمنًا إيمانًا شديدًا بتفوق الجنس الألماني) ، ثم (فرديك شليجل ت 1829 م) ، مع تركيز على العامل الديني الكاثوليكي، ثم -في نهاية هذه المرحلة- ظهر (ويلهلم هيجل) الذي كانت الدوافع القومية
(1) المرجع السابق، ص: 146.
(2) المرجع السابق، ص 175، 176.
(3) المرجع السابق، ص: 176.