اعتقادًا صبيانيًا [1] قد أساء إلى التصور الإسلامي لفلسفة التاريخ؛ لأن كثيرًا من الأوروبيين وتلاميذهم الشرقيين لم يحاولوا دراسة الإسلام دراسة مستقلة بعيدة عن الفكر اللاهوتي العام.
ولم يكن خطأ الفكر اللاهوتي في إغفاله الدور الأساسي للإنسان فحسب ... بل أيضًا في إغفاله للسنن الكونية والاجتماعية التي تخضع لها جميع حوادث التاريخ. والإسلام وهو وحده التصور الذي جمع بين وجود (( الغاية ) )للتاريخ، ووجود (( معنى ) )لكل وقائعه إن ظاهرًا أو باطنًا، وإن عاجلًا أو آجلًا، ووجود (( عناية إلهية ) )ووجود دور أساسي (( للإنسان ) )وخضوع الإنسان والطبيعة لسنن كونية، ... هذه الأبعاد هي أضلاع لمعادلة متكاملة متوازنة تحكم حركة التاريخ، وتحقق للإنسان القدر المنطقي من الحرية الذي يتوازى مع قدراته وإمكاناته الزمانية والمكانية ... وليس بينها أي تناقض كما يتصور الفكر اللاهوتي أو المفكرون العقليون!!
إن الفكر العلماني التنويري كان منفعلًا في مواجهة الفكر اللاهوتي، وكان -بالتالي- معبرًا عن (أزمة روحية) وهو يقرر - كما يقول برجسون (( إن من العبث أن يحاول الإنسان أن يعين للحياة غاية، بالمعنى الإنساني لهذه الكلمة. فإن الغاية -بهذا المعنى- معناها وجود نموج من قبل لا يعوزه إلا أن يتحقق بالفعل، أي أننا نفترض -حينئذ- في الواقع أن كل شيء موجود دفعة واحدة، وأن المستقبل يمكن أن يقرأ في الحاضر ... بينما الحياة تقدم وتتابع واستمرار ) ) [2] .... ولم يتساءل هذا المفكر: إلى متى سيظل هذا التتابع والاستمرار؟ إن أمامنا كثيرًا من الحضارات قد اندثرت أو تحولت إلى ذرات في جسم حضاري أخرى؛ بعد أن ابتلعتها في أحشائها وحولتها إلى جزء منها، ويومًا ما ستصل الحضارة الغربية إلى ساعة الأفول، أو الانتحار، أو الامتلاء، لدرجة الموت؛ وقد تقوم حضارة أخرى أكثر روحانية وإنسانية وتوازنية ... لكن التسلسل والدور لا يمكن أن يستمرا متتابعين دون نهاية، فوجود الزمان المطلق المتحرر المجرد -يمثل معنى شعريًا- أكثر منه معنى واقعيًا ... !!
(( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) ) [التغابن: 7] .
منذ خمسة قرون، والبحث عن المنهج التاريخي الأصلح لكتابة التاريخ الإنساني، وتفسير التاريخ يحتل من المفكرين والمؤرخين في العالم مكانة عظيمة، وتبذل فيه جهود شاقة رائعة، سواء اختلفنا معها أو اتفقنا.
(1) فلسفة التاريخ: ترجمة عادل زعيتر، نشر دار المعارف بمصر، 1954 م، ص: 57.
(2) عبد الرحمن بدوي: شبنجلر: 23، نشر مكتبة النهضة بمصر، 1941 م.