فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 95

ولي منهم المناصب، ومن اكتفى بجاه العلم وقنع بركن في دار أو في مسجد؛ ومضى يدرس، ويؤلف، ويعلم الناس، ويخاطب أهل الحكم في مصالح المسلمين، ويرد الأذى عنهم [1]

لقد فهم العلماء في حضارتنا أنهم مسؤولون عن الأمة، وأنهم داخلون في أولي الأمر، ويؤكد ذلك أن التفسير الشائع في حضارتنا لقوله -تعالى-: (( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ) [النساء:59] ، وأن أولي الأمر هم (( الرؤساء وأهل العلم ) ) [2] ، ومن هنا كان مشايخ الأزهر وأساتذة القرويين والزيتونة هم طلائع النهضة، وأبطال الاستقلال ودعاة الأصالة، والمحافظين على مصالح الناس.

وقد أنكروا على الولاة الظلمة، ووقفوا مع العامة، وكانوا سببا في إقالة ولاة وفي تثبيت آخرين [3] .

وبينما ارتبطت الكنيسة ورجالها في التاريخ الأوروبي بالعداء للشعب، والوقوف مع السلطة ومقاومة الفكر والحرية، والتقدم؛ كان الأمر على عكس من ذلك في حضارة الإسلام، فقد كان علماء الإسلام هم قادة الشعب، ورواد التحرير والنهضة الحقة ... وكان طبيعيًا أن يكون الأمر كذلك؛ لأنهم جزء من الشعب لا يملكون سلطة كهنوتية، ولا يتفوقون على الشعب إلا بعلمهم وجهادهم الأكبر والأصغر ... بينما الشعب كله (رجال الدين) ، وبالتالي فالشعب مثلهم يتحمل-قدر طاقته- جزءًا من المسؤولية، وله الصلاحيات الكاملة في أن يحاسبهم، ويرفض عملهم وفتاواهم إن خانوا مبادئ الإسلام، وأصبحوا مجرد موظفين لدى السلطة، داخلية كانت السلطة أو خارجية.

وقد كان الشعب دائمًا يشعر بمسؤوليته عن الحضارة الإسلامية، وكان دائمًا يملك القدرة على التفرقة بين (علماء الإسلام) و (علماء السلطان) ، و (فقهاء الحق) ، و (فقهاء المصلحة) ... وكانت بغداد في عصر عظمتها تخرج كلها لتستقبل العالم الزاهد عبد الله بن مبارك بدرجة أكبر مما تستقبل به خليفتها، حتى إن أم الخليفة عجبت للأمر وقالت: هذا هو الملك ... إنه ملك لا تدفع إليه منفعة مالية ولا شرطة عسكرية!!

كان نسيج المجتمع كله يبنى على الإسلام ... وحتى الفئة الحاكمة، كان للإسلام وجود في حياتها، على الرغم من تفلت بعضها في بعض الأحيان ... أما الشعب الذي يصنع الحضارة فقد كانت القوانين والنظم والتقاليد التي تحكمه مستقاة من الإسلام.

وإذا كان من الضروري للمجتمع الإنساني، ولأفراد المجتمع من ضوابط يتقيدون بها، وتحكمهم بوصفهم كائنات اجتماعية؛ فإن الضوابط والقوانين والأخلاقيات وشبكة العلاقات الاجتماعية التي كانت تحكم المجتمع الإسلامي هي

(1) د. حسين مؤنس: عالم الإسلام، ص 214 - 215.

(2) انظر مادة (( أمر ) )في لسان العرب.

(3) انظر جلال كشك: ودخلت الخيل الأزهر (نماذج من هؤلاء العلماء المجاهدين في العصر الحديث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت