كان دولة طوال الأربعة عشر قرنا المنصرمة ... فهذا غير صحيح تاريخيا، وغير مقبول منطقيا ... إنه قول يجر إلى عدمية مخيفة، تتركنا بدون هوية ودون تاريخ، وبالتالي بدون حاضر وبدون مستقبل!!
المجتمع الإسلامي في خلافتي الأمويين والعباسيين
(تقييم موضوعي)
من صور الخطأ التي وقع فيها كثير من المؤرخين والمفكرين أنهم خلطوا بين مسيرة الحضارة ومسيرة التاريخ، مطبقين الخطوط السياسية الفاصلة نفسها على التيار الحضاري، مع أن مسيرة الحضارة لا تخضع لتقلب الدول، فضلا على سقوط دولة وقيام أخرى تنتمي إلى المدرسة العقدية والإشعاع الثقافي نفسه ...
وأنا أعجب حقيقة من هؤلاء المؤرخين الذين نظروا إلى سنة (41 هـ) - التي قامت فيها الدولة الأموية - وكأنها منعطف جديد في الحضارة الإسلامية!!
ترى: هل انتهى في هذه السنة جيل الصحابة؛ الذين رباهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو انقرض التابعون؛ الذين تتلمذوا على يد التلامذة الأول للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
إن بعض الصحابة قد عاشوا إلى ما بعد العقد التاسع، أي بعد عام الجماعة بأكثر من نصف قرن كامل ... أما التابعون فقد عاش بعضهم إلى ما بعد سقوط الدولة الأموية سنة (132 هـ) .
إن ما حدث هو أن أسلوب انتقال الحكم قد تغير من شورى مطلقة إلى شورى مقيدة؛ نتيجة لظروف معينة لا نتعرض لها في هذا المقام ... أما نهر الحضارة الإسلامية فقد ظل يشق مجراه ... وظلت الأمة هي الأمة، والمبادئ هي المبادئ ...
ونتيجة لتطورات معينة، وابتعادا عن عصر النموذج القدوة، والانفتاح على حضارات متعددة، والحصول على ثروات طائلة؛ ظهرت تجاوزات هنا وهناك، كما تظهر في كل المنعطفات والدول العظمى ... وهي تجاوزات قامت الأمة بنقدها والتنديد بأصحابها ...
إن (هاملتون جب) -وهو مستشرق لا يمكن وصفه بالدفاع عن تاريخ الإسلام- يومئ إلى طبيعة التغير في نظام الحكم عند الأمويين، فيذكر أنه: من قبيل التناقض أن يلصق الناس بالأمويين تلك التهمة الشائعة؛ وهي أنهم حولوا الخلافة إلى ملك، وهذا التناقض ذاته يوحي لنا بأنه ينبغي علينا - إذا شئنا أن نفهم الطبيعة الحقيقية للأزمة - أن ننفذ إلى ما وراء سطح الواقع بكثير، وأن نجتهد بصورة خاصة في تحرير أنفسنا من عادة مؤرخي العرب؛ الذين ينظرون إلى العملية التاريخية على ضوء الأعمال الشخصية دون اعتبار منهم للظروف التي اكتنفت أعمال الأفراد، ورسمت حدودها، والقضية التي أحب أن أطرحها في هذا المقام تتلخص في أن الأمويين كانوا -إذا جاز لنا التعبير على هذا النحو - ضحية عملية ديالكتيكية داخل المجتمع الإسلامي [1] .
(1) جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص 48، دار العلم للملايين، ط 3، 1979 م.