فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 95

وإذا ما نظرنا إلى الخلافة الأموية [1] بهذه النظرة -غير السياسية- التي ترصد التطور الحضاري، وليس التعبير الفوقي؛ فإننا سنجد هذه الخلافة التي قدر لها أن تعيش في التاريخ نحو قرن من الزمان، تواجه خلاله بقايا الإمبراطوريات المندثرة رومية وفارسية، وتؤصل لمؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية في العالم الإسلامي الجديد، والحديث، عهدا بالبداوة والفكر الوثني والروماني السابق، وذلك مع وجود بعض التجاوزات، خضوعا لظروف التطور التي ألمحنا إلى بعض جوانبها سابقا، مما يؤكد وجهة نظرنا في أن التغيير السياسي لا يرتبط بالتغير الحضاري.

إننا هنا نتساءل: هذه الجيوش الفاتحة التي ساحت في معظم أقطار المعمورة، من حدود الصين والهند وحتى سبته في المغرب الأقصى وكوفادونجا في جبال البرانس بإسبانيا ... ألم تقم على أكتاف الجندي المسلم المجاهد الذي كان يمضي مخلصا شبه متطوع أو نظاميا وراء القادة الذين اختارهم بنو أمية؟ ... لقد أثبت هؤلاء أنهم مخلصون حقا بصرف النظر عن النظام السياسي الذي انتقلوا إليه ... ولقد نشروا الإسلام في المغرب الأقصى والأوسط والأدنى وطرابلس وبرقة وإسبانيا والصين والهند وبلاد آسيا الوسطى وأفغانستان وغيرها ...

وفي هذا العصر وقعت عملية التعريب، وتم تنظيم الدواوين، وسك العملة، وبدأت العلوم العربية والاسلامية تكتمل صورها!!

وإذا كنا قد استشهدنا برأي (جب) في طبيعة الانتقال من الراشدين إلى الدولة الأموية؛ فإننا -ونحن نلقي ضوءا وجيزا على أبرز خلفاء هذه الدولة، الذين قاموا بالفتوحات وساعدوا التطور- نتابع استشهادنا بمؤرخ أوروبي آخر من كبار الدارسين للتاريخ الإنساني كله، إيمانا منا بأن شهادة هؤلاء قد تكون أكثر قابلية لدى المدرسة العلمانية؛ التي تسقط أحكاما تعسفية غير متأنية على تاريخنا!!

إن (ول ديورانت) يقول:

{يجب علينا ألا نظلم معاوية، لقد استحوذ على السلطة في بادئ الأمر؛ حيث عينه عمر - الخليفة الفاضل النزيه - واليا على الشام، ثم بتزعمه الثورة؛ التي أوقد نارها مقتل عثمان، ثم بما دبره من الأساليب السياسية} البارعة؛ التي

(1) كنموذج للتحليل الموضوعي المنصف - غير الإسقاطي - نقدم هذا النص من كلام المفكر الإسلامي والمصلح الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في معالجة الصراع بين الإمام علي ومعاوية - رضي الله عنهما - في صفين، يقول الإمام النورسي: أما ما وقع من حرب بين الإمام علي رضي الله عنه وسيدنا معاوية رضي الله عنه وأنصاره في واقعة {صفين} ؛ فهي حرب بين الخلافة والسلطنة (الملك الدنيوي) ؛ أي أن الإمام عليا رضي الله عنه (قد اتخذ أحكام الدين وحقائق الإسلام والآخرة أساسا، فكان يضحي بقسم من قوانين الحكم والسلطنة، وما تقتضيه السياسة من أمور فيها إجحاف في سبيل الحقائق والأحكام؛ أما سيدنا معاوية ومن معه، فقد التزموا(الرخصة الشرعية) ، وتركوا الأخذ بالعزيمة؛ لأجل إسناد الحياة الاجتماعية الإسلامية بسياسات الحكم والدولة، فعدوا أنفسهم مضطرين في الأخذ بهذا المسلك في عالم السياسة، لذا رجحوا الرخصة على العزيمة فوقعوا في الخطأ (انظر النورسي: المكتوبات، ص: 68، نشر سوزلر - القاهرة) .

(أي أننا مفهم من كلام النورسي أن الخلاف يمثل وجهتي نظر، وأن للمصيب أجرين وهو الإمام علي وأتباعه، وللمخطئ أجرا وهو معاوية وأتباعه(رضي الله عن الجميع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت