وفي ضوء هذا البحث الإنساني الدؤوب عن تفسير إنساني موضوعي للتاريخ يتبدى لنا أن من حق الشرائح الإنسانية كلها أن تقدم ما لديها وصولًا إلى بعض المفاتيح وليس كل المفاتيح لحركة التاريخ والكون.
وفي الوقت نفسه يجب على المسلمين أن يتقدموا -إنصافًا لرسالتهم وحضارتهم- بجهودهم في مجال فلسفة كونية وتاريخية أصيلة؛ تقوم على ركائز التصور الإسلامي الأساسي ... إنه ليس حقهم فحسب، بل إنه واجبهم كذلك.
لقد أدلى النصارى بما لديهم ... وهم -واليهود- يشكلون رؤية دينية للتاريخ ينقصها المشروع الحضاري والصلة الوثيقة بالواقع ... وقد أفرز هذا التصور مادية مغرقة كانت رد فعل للاستغراق اللاهوتي، وكلا التفسيرين أغفل عناصر أساسية، ولم يستطع تصور النسيج الكامل والمحكم والمتوازن والمتشابك للعملية الحضارية ... وكلاهما عمق الرؤية في جانب على حساب الجوانب الأخرى، وبالتالي فالتفسيران المثالي واللاهوتي عاجزان!!
-والنظرة الإسلامية للتاريخ تتميز عن غيرها بأنها تؤمن بثبات الفطرة الإنسانية، وثبات السنن الكونية التي تتحرك الأحداث في داخلها وبمقتضاها ...
فالرؤية الإسلامية تؤمن بأن الجانب المعرفي يتطور في الإنسان؛ ولكن مع بقاء عناصر ثابتة يتلقاها الإنسان عن الوحي؛ ولا يستطيع إدراكها بعقله وحده ...
* وقراءة التاريخ -من جانب آخر- لا تقتصر على حياة الحكام، وأخبار الوقائع والحروب؛ بل لابد أن تصل إلى نسيج الحياة من خلال الدراسة الجادة للحياة الاجتماعية، والفكرية، والاقتصادية ...
* والتصور الإسلامي يرى أن الجانب المعرفي، والفكري يتطور في الإنسان مع حاجته إلى ضوابط وعناصر تكمله؛ لأن هناك معارف ثابتة يجب على الإنسان أن يتلقاها من الوحي لا من العقل الذي هو -بطبيعة محدودية طاقته- عاجز عن إدراك تفصيلاتها ... وثمة مسلمات في الجانب المعرفي الكوني والاجتماعي يجب التسليم بها ...
وبعد ذلك فالمجال مفتوح لعمل العقل في مساحة واسعة: كونية واجتماعية؛ يستطيع من خلالها تسخير الكون؛ ومجالات العلوم، والفنون، والآداب، وفقه النفس الإنسانية، والطاقات الإنسانية المختلفة، واستكشاف عظمة الله من خلال تدبر آلائه ولآياته في الكون والنفس، ومن ثم استخلاص القوانين الطبيعية والاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر -وقبل الوصول إلى مرحلة استخلاص القوانين- ضرورة قراءة الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية قراءة فاحصة؛ بل إن تركيز تفسير الحركة التاريخية يجب أن يتجه إلى قراءة الجوانب السالفة الذكر، والتي لم تأخذ حقها من التاريخ، مع أنها التاريخ الأجدر بالاهتمام ... ومع أن أبطالها وقادتها هم صانعو الحضارة الحقيقيون.