فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 95

وفي المغرب الإسلامي كله بصورة عامة منذ الفتح وحتى سقوط دولة الموحدين؛ كان المسجد يقوم بدور تعليمي كبير، بحيث إنه لم يكن ثمة مسجد في مدينة خال من المدرسين [1] ، وقد أطلق عليه في المغرب العربي اسم (المسيد) ، وكثيرا ما كان هذا (المسيد) علما على {ملحق} يلتصق بالمسجد ... ويفرد للناحية التعليمة.

وقد تطور هذا {المسيد} في القرن الخامس الهجري، فاستقل بنفسه عن المسجد، وصار كيانا بذاته من حيث البناء والهدف [2] ؛ لكن هذا التطور لم يمنع المسجد من أن يكون محل تعلم، إلا أنه ارتفع طبقة فصار بمثابة دار {للتعليم الثانوي} أو {التعليم العالي} ، إلى جانب {المسيد} و {المسجد} وجدت {الزاوية} فقد كانت الزوايا كثيرة جدا.

وكانت الكتاتيب مكانا لأشهر أنواع التعليم الابتدائي، ويبدو أنها كانت قريبة - في تخصصها - من عمل {المسيد} ، وإن كانت تتميز بملكيتها الخاصة.

ويبدو أن ما عرف في بلدان المغرب العربي باسم {الشريعة} ؛ كان يقوم أحيانا مكان {الكتاب} ، وهي {خيمة مدرسية عند البدو} [3] إلى جانب كونه مصلى تقام فيه {الأعياد} ، وربما صلوات الجمع، ومن المحتمل أن {الشريعة} كانت محل تعليم البدو في مقابل {المسيد} ؛ الذي كان محل تعليم أهل المدن، وكان غالبا يطلق على ملحق بالمسجد، وكان ينتقل بانتقال الحي وفق ضرورة الانتجاع، أو دواعي تزاحم القبائل، ويتعلم فيها الصغار من الجنسين (الأحداث) [4] ، وفي المدن المغربية الكبرى كان يوجد لون من التعليم العالي (الجامعي) ، وعلى سبيل المثال، فقد أنشأ الناصر بن علناس المتوفى سنة (481 هـ) في بجاية (الجزائرية) معهد {سيدي التواتي} ؛ الذي يحتوي على ثلاثة آلاف طالب وتدرس فيه كل المواد بما فيها العلوم الفلكية [5] ، ولقد ازدهرت الحياة العلمية في المغرب العربي ازدهارا كبيرا تدلنا عليه هذه المكانة التي احتلتها عواصم المغرب الحضارية آنذاك كـ {فاس والقيروان وتلمسان وبجاية وتونس} وغيرها، وقد برز في هذه العواصم العلماء والفقهاء والشعراء والمؤرخون والأطباء والرياضيون وغيرهم من طوائف الاشتغال بفنون العلم المتعددة.

ولقد لقيت علوم القرآن والسنة -من تفسير وحديث وقراءات وفقه- اهتمام الدول المغربية، وجمهرة المسلمين.

وقد اتجهت الحياة الدينية إلى دراسة الأحاديث المجموعة في كتب الفروع، وفقا لمدرسة الحديث؛ التي كان إمامها {مالك} إمام أهل الحديث بالمدينة، وكانت كتب المالكية الشهيرة؛ كموطأ الإمام مالك، والتلقين لعبد الوهاب البغدادي، والواضحة لابن حبيب (163 هـ 779 م) {والعتيبة} للعتبي [6] ، و {الأسدية} التي جمعها أسد بن

(1) توفيق المدني: هذه هي الجزائر، ص: 81، كتالوج بجاية، ص: 58.

(2) عثمان الكعاك: مراكز الثقافة في المغرب العربي، ص 71، 72، طبع تونس.

(3) المرجع السابق، ص: 72.

(4) كتالوج بجاية، ص: 67، نشر الجزائر بإشراف الدكتور/ بوريبة، عميد كلية الآداب الأسبق بالجزائر.

(5) ليفي بروفنسال: الإسلام في المغرب والأندلس، ص: 89، حاشية، طبع نهضة مصر.

(6) الحلة السيراء 2/ 381، بتحقيق: حسين مؤنس، طبع مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت