وفي المغرب الإسلامي كله بصورة عامة منذ الفتح وحتى سقوط دولة الموحدين؛ كان المسجد يقوم بدور تعليمي كبير، بحيث إنه لم يكن ثمة مسجد في مدينة خال من المدرسين [1] ، وقد أطلق عليه في المغرب العربي اسم (المسيد) ، وكثيرا ما كان هذا (المسيد) علما على {ملحق} يلتصق بالمسجد ... ويفرد للناحية التعليمة.
وقد تطور هذا {المسيد} في القرن الخامس الهجري، فاستقل بنفسه عن المسجد، وصار كيانا بذاته من حيث البناء والهدف [2] ؛ لكن هذا التطور لم يمنع المسجد من أن يكون محل تعلم، إلا أنه ارتفع طبقة فصار بمثابة دار {للتعليم الثانوي} أو {التعليم العالي} ، إلى جانب {المسيد} و {المسجد} وجدت {الزاوية} فقد كانت الزوايا كثيرة جدا.
وكانت الكتاتيب مكانا لأشهر أنواع التعليم الابتدائي، ويبدو أنها كانت قريبة - في تخصصها - من عمل {المسيد} ، وإن كانت تتميز بملكيتها الخاصة.
ويبدو أن ما عرف في بلدان المغرب العربي باسم {الشريعة} ؛ كان يقوم أحيانا مكان {الكتاب} ، وهي {خيمة مدرسية عند البدو} [3] إلى جانب كونه مصلى تقام فيه {الأعياد} ، وربما صلوات الجمع، ومن المحتمل أن {الشريعة} كانت محل تعليم البدو في مقابل {المسيد} ؛ الذي كان محل تعليم أهل المدن، وكان غالبا يطلق على ملحق بالمسجد، وكان ينتقل بانتقال الحي وفق ضرورة الانتجاع، أو دواعي تزاحم القبائل، ويتعلم فيها الصغار من الجنسين (الأحداث) [4] ، وفي المدن المغربية الكبرى كان يوجد لون من التعليم العالي (الجامعي) ، وعلى سبيل المثال، فقد أنشأ الناصر بن علناس المتوفى سنة (481 هـ) في بجاية (الجزائرية) معهد {سيدي التواتي} ؛ الذي يحتوي على ثلاثة آلاف طالب وتدرس فيه كل المواد بما فيها العلوم الفلكية [5] ، ولقد ازدهرت الحياة العلمية في المغرب العربي ازدهارا كبيرا تدلنا عليه هذه المكانة التي احتلتها عواصم المغرب الحضارية آنذاك كـ {فاس والقيروان وتلمسان وبجاية وتونس} وغيرها، وقد برز في هذه العواصم العلماء والفقهاء والشعراء والمؤرخون والأطباء والرياضيون وغيرهم من طوائف الاشتغال بفنون العلم المتعددة.
ولقد لقيت علوم القرآن والسنة -من تفسير وحديث وقراءات وفقه- اهتمام الدول المغربية، وجمهرة المسلمين.
وقد اتجهت الحياة الدينية إلى دراسة الأحاديث المجموعة في كتب الفروع، وفقا لمدرسة الحديث؛ التي كان إمامها {مالك} إمام أهل الحديث بالمدينة، وكانت كتب المالكية الشهيرة؛ كموطأ الإمام مالك، والتلقين لعبد الوهاب البغدادي، والواضحة لابن حبيب (163 هـ 779 م) {والعتيبة} للعتبي [6] ، و {الأسدية} التي جمعها أسد بن
(1) توفيق المدني: هذه هي الجزائر، ص: 81، كتالوج بجاية، ص: 58.
(2) عثمان الكعاك: مراكز الثقافة في المغرب العربي، ص 71، 72، طبع تونس.
(3) المرجع السابق، ص: 72.
(4) كتالوج بجاية، ص: 67، نشر الجزائر بإشراف الدكتور/ بوريبة، عميد كلية الآداب الأسبق بالجزائر.
(5) ليفي بروفنسال: الإسلام في المغرب والأندلس، ص: 89، حاشية، طبع نهضة مصر.
(6) الحلة السيراء 2/ 381، بتحقيق: حسين مؤنس، طبع مصر.