ويدل على تنظيم هذا العمل ودقته، ما ذكره الطبري من أن رؤساء هذه الحركة قد جعلوا لها دواوين يسجل فيها اسم من بايع على العمل معهم [1] .
فلما انتهت الفتنة بين المأمون والأمين، وعادت للحكومة هيبتها، وعاد لها سلطانها توقفت الحركة، وتركت الأمور لذويها من أهل الحكم.
ولئن كنا قد ألمحنا إلى بعض الخلفاء العظماء والمشهورين من آل العباس، من أمثال محمد المهدي، وهارون الرشيد؛ فما ذاك إلا أننا لا نريد تأكيد المعروف والمتفق عليه من المنصفين ... كما أننا أيضا عمدنا إلى تجاوز العصور المزدهرة غالبا؛ حتى لا يحتج علينا بأننا ركزنا على المشهورين الذين يمثلون - في رأي المتحيزين ضد تاريخنا - الشذوذ.
ولهذا الالتزام فإننا لم نقف عند عمر بن عبد العزيز ونحن نتحدث عن بني أمية، وأيضا فإننا لن نقف عند محمد المعتصم العباسي (218 - 227 هـ/ 733 - 842 م) صاحب عمورية العظيم، ولن نقف عند هارون الواثق، أو جعفر المتوكل؛ الذي قاوم حركة ظلم الاعتزال، وأنهى الظلم الذي وقع على أهل السنة.
وسوف نقفز لنقدم نموذجين من النصف الثاني من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) استغرق حكمهما نحو ستين سنة.
وهذا القرن الخامس -كما هو معروف- من القرون التي تحسب من عهود ضعف الدولة العباسية.
في هذه الفترة كان الخليفة في بغداد (المقتدي بأمر الله العباسي) ؛ الذي حكم عقدين من الزمان (467 - 487 هـ) ، واحدا من خليفتين حكما في النصف الثاني من القرن الخامس.
ويكاد يجمع المؤرخون على أن المقتدي كان يتمتع بأخلاق طيبة، وأن من صفاته حبه للدين والخير، وكانت نفسه قوية، وهمته عالية، وذا شجاعة وشهامة، وكل أيامه خير وبركة، حسن السيرة والسريرة [2] ، ويصفه ابن كثير -أيضا- بأن شمائله عالية، وغيرته على حريم الناس لا تضاهى، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمتاز بالعدل والصلاح والتقوى، ولين الجانب، وكثرة العلم [3] .
وكان المقتدي حريصا على أخلاق الناس ودينهم؛ ولذلك عمل منذ خلافته على تطهير بغداد من عناصر الفساد والفجور، وخرب الخمارات، ودور الزواني والمغاني [4] ، وقد تابع التطهير كلما ظهر ما يوجبه [5] ، وكان يهتم بمتابعة حركة
(1) الطبري: حوادث سنة (201 هـ) ، وما بعدها.
(2) ابن القلانس: ذيل تاريخ دمشق، ص: 126، طبعة بيروت.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 146، دار صادر بيروت.
(4) محمد حسين شندب: الحضارة الإسلامية في بغداد، ص: 16، دار النفائس - بيروت، ط 1، 1410 هـ.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 111.