وهكذا -في تصورنا- يمكن استحضار الحياة الماضية، واستعادة التاريخ عن طريق رصد الفردية المطلقة؛ بكل ما تمثله من ذاتية مغرقة، أو متجانسة بتعبير (دلتاي) تتفاعل مع الكل الاجتماعي والحضاري .. لكن ذلك لا بد أن يتم في إطار المنظومة الأساسية التي تتشكل منها حركة الحياة الفكرية والثقافية التي تصوغ العادات، والتقاليد، وبقية الأنماط السلوكية الاجتماعية.
يقع بعض المفكرين المسلمين في تناقض شديد بين مستوى شمول الإسلام والقرآن لكل شيء: (( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ) [النحل: 89] ، ومستوى المطالبة القرآنية والإسلامية الملحة بالمشي في الأرض والتفكر في خلق السماوات والأرض، وفي النفس الإنسانية: (( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ) [الذاريات: 21] ، والمطالبة الملحة أيضا بطلب العلم عبر مساحة قرآنية تربو على سبعمائة آية، علاوة على آثار النبوية القولية والفعلية.
ولو أننا تعمقنا في القرآن وفي السنة النبوية لوجدنا الموازين معتدلة وواضحة بين مستوى (( التفصيل والتنظير ) )الذي وضع الإسلام معالمه في كل مجال من مجالات الفكر والحياة؛ من خلال عدد وضع من الثوابت والمعالم التي تحدد الفيصل، أو تحدد الفروق بين الواجب، والحرام، والمكروه، والمباح .... والمستوى العقلاني التطبيقي الذي به وحده يزدهر التنظير ويكسى عظمة لحمًا، وتتفتح آفاقه وتتواصل معطياته عبر العصور!!