بل إن تقدير الثوابت الحضارية في كل مجتمع شرط ضروري لإعادة تمثل الماضي وإحيائه، ومع إحياء الإيقاعات الفردية المتنوعة، فإن الفقه الموضوعي بروح الحضارة، ومسلماتها، وبيئتها، ومناخها الفكري والنفسي والروحي؛ هو أكبر ضمان لإمكانية استحضار التاريخ وتمثله، ذلك لأن البشر العاديين عندما يعبرون عن فرديتهم فإنما يعبرون في فكرهم وسلوكهم عن إطار حضاري ينتمون إليه ... إنهم أفراد وسط إطار عام، وهم يتحركون فوق أرض وروح في سياق واحد.
إن العقائد والأعراف والتقاليد الراسخة في كل حضارة هي التي تصوغ -إلى حد كبير- حياة الناس، ومن الصعب إدراك التنوع والفردية دون ربطهما بأطرهما الثابتة التي تشكل الجزء الأكبر من مساحة توجيه الحياة وصبغها.
وباستثناء القلة الشاذة، والمتمردة والمنسلخة في كل حضارة، فإن مجموع أبناء الحضارة الذين يتنوعون في التعبير، ويخضعون -في الوقت نفسه- لثوابت في التصور والسلوك تجعل منهم ممثلين لحضارة واحدة!!
إن حضارة المسلمين تقوم على قيم تتمثل في أفكار وأنماط سلوكية، وأماكن تمارس فيها هذه السلوكيات، ووسائل تعبير مختلفة من الفكر؛ أما نماذج بشار بن برد، وأبي نواس، وابن الراوندي، وجماعات الزندقة، والحشاشين، والباطنية؛ فهي الإيقاعات الشاذة المنسلخة.
لكن باستثناء هؤلاء وأمثالهم؛ فإن مجموع أفراد الأمة يعبرون عن إطار الحضارة الإسلامية ...
فالعبادات المختلفة ترتبط بأزمنة وأمكنة وسلوكيات وصياغة لنشاطات الحياة وفق تعاليم الإسلام ... وقد كان الناس يلتزمون بها، ويبرمجون حياتهم في الزمان والمكان والعمل وفقها.
وتأتي النظم الإسلامية في المعاملات والسياسة والاقتصاد لتحدد أنماطا سلوكية وفكرية تتكامل مع توجيهات العبادات.
وفي الوقت نفسه فإن مختلف العبادات المعاملات تقف على أرضية عقدية تحكم المسلم في فكره وسلوكه -بنسبة إجمالية- وتحدد له مجال الحلال والحرام.
فمن المستحيل -على سبيل المثال- في مجتمعات المسلمين -في شتى عصورهم- أن تظهر علاقة الرجل بالمرأة على النحو الذي ظهرت به في الحضارة الإغريقية، أو تظهر به الآن في الحضارة الأوروبية الحديثة.
وفي المجتمع الإسلامي لم يكن للربا السيطرة على الحياة الاقتصادية كما كان الحال في سيطرته على حياة العصور الحديثة. وأيضا فإنه لطبيعة المبادئ الإسلامية في التكافل الاجتماعي -من صور الإحسان الإلزامي، والزكاة، وحق الضيافة، والماعون، والأرحام، ونظام الميراث، والجار- بقي المجتمع الإسلامي بعيدا عن ظاهرة الإقطاع والصراع الطبقي التي كان عليها حال العصور الوسطى.