فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 95

إن الوثائق لن تكون هي الأساس في المنهج التنظيري الذي ينشد التاريخ؛ بل إن أسهل شيء يقوم به الباحث أن يصل إلى المعلومات (( الموثقة ) )ثم يضمها إلى بعضها، ويقدم بعد ذلك إطارا قد التصقت وقائعه فصار تاريخا.

إن الوثائق -بلا ريب- هي بعض عمل المؤرخ، لكن الأهم في عمل المؤرخ أن يعيش التاريخ، وأن ينقله إلينا حياة نابضة نكاد نراها ونلمسها، ونشعر بكل تفاعلاتها وأركانها. وبما أن حياة الناس في التاريخ لم تكن جداول هندسية أو أرقاما ميتة، أو جيوشا منضبطة الحركة والإيقاع؛ فإن على المؤرخ أن ينقل إلينا التاريخ بكل بشريته، وأمواجه المتلاطمة، والبواعث الفكرية، والنفسية التي تقف وراء كل موجة.

إننا نقف -بيقين- مع المؤرخ الكبير (فلهام دلتاي) في مطالبته المؤرخ أن يستحضر الحياة مرة أخرى، وأن يحيا الحياة من جديد في نفسه وإلا فقد التاريخ ماهيته وجوهره )) ، وبالتالي لن يكون مؤرخا حقيقيا إلا من أوتي عمقا وسعة في حياته الروحية الباطنية؛ يمكنانه من أن يحيا تجارب الماضي مهما يكن من تنوعها وشدتها، ومن أوتي فيضا وخصبا في هذه الحياة ييسران له بعث الحياة في هذه المادة الميتة (الوقائع) التي استحالت إليها الحياة الماضية، ولم يعد أمامه غيرها [1] .

لكن (دلتاي) لم يقدم لنا الوسائل الكافية لإخراج الماضي من موته إلى الحياة ... إنه إلى أ (ن الفردية المطلقة) القائمة على عدم التجانس وعلى صعوبة التركيب هي السبيل لهذا الإحياء؛"كما أن برجسون قد قال بأن الحي يمتاز عما هو مادي بأنه يكون كلا مستقلا مقفلا؛ لأنه مركب من أجزاء غير متجانسة يكمل بعضها بعضا فكذلك يقول (دلتاي) : إن كل فرد يكون كلا مستقلا مقفلا".

وعند (دلتاي) أن العظماء ما كانوا عظماء إلا لأنهم استطاعوا أن يجمعوا في نفوسهم كل التيارات الروحية التي تضطرب بها روح الشعب أو الحضارة التي ينتسبون إليها، ليس عن طريق الإيغال فيه؛ لأن عملهم إنما هو تحقيق لروح العصر فيصبحون ممثليه [2] .

وعلى أساس هذا التحديد الذي ذهب إليه (دلتاي) كان الشعراء هم أقدر الناس -في رأيه- على تصوير الحياة في كل مظاهرها.

لكن رأي (دلتاي) -في أن (الفردية) التي تعني أن الفرد هو (مجتمع مصغر) ، أو أن الفرد هو الممثل الصحيح والكامل للحضارة- رأى فيه مبالغة، ففي كل مجتمع شذوذ يعبر عن النوازع البشرية الخاصة التي قد لا يمثل أصحابها حضارتهم، ومن جانب آخر فإن (الشعراء) ليسوا الممثلين الواقعيين لحضارتهم -كما ذهب (دلتاي) - وإن مثلوا بعض آمالها وآلامها.

(1) عبد الرحمن بدوي: شبنجلر، ص: 40.

(2) المرجع السابق: ص:41، 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت