فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 95

للحروب الصليبية، والدفاع عن العالم الإسلامي ... هذه الملاحظة (الجديدة) هي أن العثمانيين وإن كانوا قد نجحوا نجاحا رائعا في رفع راية الإسلام عالية في الدنيا، وألقوا مهابته في نفوس العالم؛ بهزائمهم لأوروبا مرارا لثلاثة قرون منذ قيام دولتهم؛ إلا أنهم كانوا هم كذلك يسيرون في طريق الانحطاط كعامة الأمم المسلمة في هذا الزمان، بينما الأمم الأوروبية التي تقابل الأمة التركية في الميدان، والتي عاصرتهم؛ كانت تسير في طريق الرقي المادي والتقدم الفكري، وفي القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر الهجري) انقلبت الأحوال، فقد بلغ من إحكام التنظيم العسكري، وتضاعف القوة المادية والمعنوية عند أمم الإفرنج أنها هزمت الأتراك المتخلفين هزيمة بينة لأول مرة في معركة سينت جوثرد [1] .

هكذا كان الموقعان مختلفين، والظرفان مختلفين، ومع ذلك قام العثمانيون بدورهم على خير ما استطاعوا، وقد قدموا صفحة استمرت خمسة قرون دفاعا عن الإسلام وشريعته وحضارته ... ولو لم يكن العثمانيون لاستطاعت أوروبا احتلال العالم الإسلامي في وقت مبكر، ولكان مصير كثير من الدول الإسلامية لا يعلمه إلا الله ... وما فعلته فرنسا في الجزائر خلال مدة تزيد على مائة وثلاثين عاما دليل على نوعية ذلك المصير الذي كان ينتظر المسلمين، لولا أن قيض الله العثمانيين جزاهم الله خيرا.

تاريخنا وحضارتنا ... من التفسيرات الإسقاطية

إلى التوظيف الحضاري

-بعيدا عن الإسقاطات والتفسيرات التحريفية لتاريخنا ... يجب أن نلتفت إلى ضرورة توظيف تاريخنا الحضاري في خدمة واقعنا واستشرافاتنا المستقبلية ...

-إننا لن نعيش في (جنة) الماضي غافلين عن المستقبل؛ بل سندرس كل تاريخنا البشري - بإيجابياته وسلبياته - ... لنستفيد من تجارب الإيجاب والسلب معا ... وهذا هو المنهج القرآني في فقه التاريخ ... وكل الأمم الناهضة من حولنا تجعل من تاريخها ذاكرة تستلهمها ... فلسنا بدعا في ذلك!!

ومنذ وعي الإنسان معاني التاريخ والحضارة والحكمة (الفلسفية) ، وهو يوجه الوقائع التاريخية لخدمة عقائده وأفكاره، ويفسرها تفسيرا يحدد لها إطار مستقبلي في ضوء الثوابت والخلفيات؛ التي ورثها وآمن بها وترسبت في وعيه التاريخي.

-وشيئا فشيئا حاول الإنسان غربلة بعض أفكاره، والوصول إلى قدر من الموضوعية، يتلاءم مع المنطق والعقل، وفي أحيان كثيرة اضطر إلى تفسير أفكاره وعقائده تفسيرا يحاول أن ينسجم مع المنطق، ومع الموروث والمعتقد في نسيج واحد!!

-ومهما وضع اليهود والنصارى من لافتات علمية وموضوعية، فمن المؤكد أنهم قد تأثروا بعقائدهم تأثرا كبيرا ومباشرا في تفسيرهم للتاريخ وتقسيمهم لمراحله.

(1) أبو الأعلى المودوي: نحن والحضارة الغربية، ص: 110، ط مؤسسة الرسالة - بيروت، ويطلق على المعركة (سان جوتار) في الترجمة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت