فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 95

وفي الصفحات التالية نعرض للتاريخ الإسلامي بعد الراشدين، وصولًا إلى التحليل النقدي الموضوعي له ....

لقد عالج كثيرون -مسلمون وغير مسلمون- تاريخنا بمنهج غير علمي، وقد جاء تقويمهم جانحًا يميل إلى الإفراط أو التفريط ... وقد غلبت على بعضهم نزعات مذهبية جعلتهم يحللون النظم والدول والوقائع وفقا رؤية مسبقة، وقلما ينجحون في كشف حجب التاريخ ورصد الوقائع رصدا موضوعيا ...

لكن مثقفي الأمة وجمهور مؤرخيها استطاعوا -بمنهج النقد المستفيد من منهج علم الحديث إلى حد كبير- رصد الخلفية المذهبية لهؤلاء، ومن ثم تحليل كتاباتهم التاريخية، وتقويمها تقويمًا علميًا ..

وفي هذا السياق؛ رصد المنهج التاريخي الإسلامي تلك المصادر التي يتحرك مؤلفوها بخلفية مذهبية مسبقة، تحول دون تحقيق القدر المقبول من الموضوعية ... ولم يترك تاريخنا دون تحليل نقدي كما يزعم أركون وتلامذته!!

وبدءا من تدوين السيرة كان ثمة تقويم خضع له رجال التدوين الأولون، بعيدًا عن التعصب و الهوى ...

فقد قيل عن شرحبيل بن سعد (ت 123 هـ) إنه يميل إلى العباسيين لأسباب مصلحية!!

وقيل عن وهب بن منبه (ت 114 هـ) إنه شغوف بالطرائف التي أوقعته في الإسرائيليات ...

وقيل عن الواقدي (207 هـ) إن له ميولًا لآل البيت.

وقيل عن أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي (157 هـ) إنه يميل لآل البيت ولقبيلة الأزد [1] .

أما كاتب السيرة الكبير ابن إسحاق (ت 151 هـ) فقد هاجمه المحدثون؛ لأن الفروق بين منهجي الحديث والتاريخ لم تكن وضحت، وكان المحدثون -جزاهم الله خيرًا- يريدون أن تكون درجة روايات التاريخ في مستوى درجة روايات الحديث ... وأن يخضع المؤرخ لشروط المحدث، ولهذا فإن وقائعه تحاكم إلى ما ورد في القرآن والسنة الشريفة ... لكن المراحل التالية للقرن الأول يصعب أن تخضع لمنهج الجرح والتعديل الذي خضع له رجال الحديث ... وإن كان هذا مطلبًا كريمًا يجب أن يعمل المؤرخون على تحقيقه .. !!

ولئن كان هذا الجيل من التابعين وتابعي التابعين قد تعرضت رواياته لبعض النقد ... فقد اتجه النقد إلى المؤرخين الذين جاءوا بعدهم من باب أولى ...

(1) محمد ياسين مظهر الصديقي: قضايا كتابة التاريخ الإسلامي وحلولها، نشر الجامعة السلفية بنارس- الهند - جمادى الآخرة (1409 هـ) ، انظر محمد السلمي: منهج كتابة التاريخ الإسلامي، ص:481، طبع دار طيبة بالرياض، الأولى (1406 هـ) ، وكل المسلمين يحبون آل البيت؛ لكن المراد بالميل هنا الاقتراب من ظلم من اختلفوا مع آل البيت وليس مجرد تخطئتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت