بن أبي وقاص) من أن يتصدق بكل ماله؛ بل رضي له ما هو أقل من ذلك؛ حتى يذر ورثته أغنياء لا يتكففون الناس، حسبه أن يهب ثلث ماله ... بل إن الثلث كثير!!
ونموذج الأنصار الذين منحهم القرآن أرفع درجة في التاريخ -الإيثار بالمال والأرض- وهو أيضا مجرد نموذج للمثال الذي يقدم أروع صورة بشرية أن تقترب منها، وليس شرطًا أن تكون في مستواها، فيصبح كل مسلم قادرًا أن يقول لكل مسلم: انظر أي مالي أطيب فخذه، أو انظر أي زوجتي شئت فأطلقها لتتزوجها ... !! إن هذا المستوى ليس هو المستوى العادي للطبيعة البشرية ... إنه الومضات الإنسانية؛ التي تمثل أعلى ما يمكن أن يصل إليه البشر ... إنه مستوى القمة والمثال ...
وليس من الموضوعية؛ أن يحاكم التاريخ البشري بأقوى وأكبر مما تطيقه الطبيعة البشرية ... وحتى القوانين الوضعية ترفض هذا المقياس؛ لكن بعضها -مع الأسف- تتدنى فتهبط خضوعًا للضعف البشري إلى مستوى تقنين هذا الضعف، وجعله في نطاق الجائز، بدلا من أن يدعم جانب مقاومته لتصعد به إلى المستوى المنسجم مع الطبيعة البشرية، تلك الطبيعة التي لا يجوز لها أن تستسلم لصور الضعف، وتقبل تحويلها من دائرة الشذوذ إلى دائرة القاعدة، ومن جانب الخطأ إلى جانب الصواب!!
وأحرى بمنهج دراسة التاريخ وتفسيره؛ أن يلتزم هذه العدالة في التقويم، وأن يضع في وعيه التصوير الموضوعي للإنسان كله، بكل قوته وضعفه، وبكل العناصر التي ركب منها.
إن محاولة رفع بعض عصور التاريخ إلى درجة فوق مستوى البشر وطاقة البشر، بهدف التدرج من هذا الارتفاع إلى محاسبتها بميزان غير بشري، ومطالبتها بأن تكون متجردة من كل النوازع البشرية، ومن كل ما يجوز على البشر ... إنما هي مؤامرة لتشويه هذه العصور (!!) والعلمانيون يستثمرون هذه المؤامرة!! بهدف مسبق هو تشويه تاريخنا الإسلامي، ورجاله العظماء، ودوله العظيمة.
إننا نوافق بالطبع؛ بل نحن نؤمن، بضرورة أن تكون بعض عصور التاريخ، وأن يكون بعض صناع الحضارات العظمى، بعيدين عن التدني إلى المستوى العادي في الأخطاء، وبأن يكون لهذا المستوى الرفيع تعبيره الخاص عن بشريته بما ينسجم مع القمة التي يمثلها ... ونحن نستطيع في ضوء هذا الوعي تحليل بعض التصرفات التي تعزى إلى هؤلاء تحليلا مناسبا لمكانتهم؛ لكن تجريدهم من المستوى البشري -بإيجابياته وسلبياته واجتهاداته العقلية والسلوكية الصحيحة والخطأ أو المعيبة- ووقوعه تحت ضغوط أو ردود أفعال ومؤامرات؛ إنما هو أسلوب غير موضوعي وغير صحيح!!
ولقد سقط كثيرون -سقوطا منهجيا في الأساس- عندما تعاملوا مع تاريخنا، غير مسلحين بهذه الرؤية التاريخية الإنسانية الموضوعية ... وسواء كان الأمر عن حسن نية، أو سوء قصد، فقد انتهى كثير من هؤلاء -نتيجة فساد منهجهم- إلى تجريح بعض الصحابة، وإلى تضخيم صور الخلافات بينهم، وإلى القول في نهاية الأمر بأن شريعة الإسلام لم تطبق إلا في حقبة من الزمان تنتهي بنهاية عصر الراشدين (41 هـ) ... أما العصور التالية، والتي تبدأ بالدولة الأموية (41 - 132 هـ) وتستمر حتى اليوم، فهي عصور (علمانية) غابت عنها الشريعة، وحكمتها معادلات سياسية مصلحية، وأوضاع اجتماعية واقتصادية بشرية لا صلة لها بتعاليم الإسلام (!!) وهذا قول بالغ الفساد، عظيم الظلم لا ينتمي إلى تاريخنا بصلة، وقد قدمنا بعض الصور من صفحة القضاء تؤكد سمو التاريخ وتظهر المكانة الرفيعة التي احتلتها الشريعة في حياتها.