فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 95

الإسلام. وقد تمر فترة من الوقت، ولا تلبث الموازين القرآنية الثابتة التي تكفل الله بحفظها أن تفرز مصلحين يعيدون الفعالية الإسلامية إلى توازنها في إطار ما يقوي عليه البشر، وما تسمح به خصائصهم الإنسانية.

ولا بد، ونحن نؤطر للتنظير الإسلامي للتاريخ في المرحلة القرآنية؛ أن ننظر إلى العالم المسلم كوحدة، وأن ننظر إلى العالم الغير المسلم كوحدة منفصلة أو متقابلة ... فهنا حضارة إسلام، تمثلها أمة مسلمة أخرجت للناس ... وهناك حضارة قائمة على التصورات الوثنية أو العقلية المحضة؛ ولم يستطع اللاهوت المسيحي أن يخضع التاريخ الوسيط أو الحديث لأطروحاته؛ لأنه -أولا- كان معزولا عن الدنيا، ولأنه -ثانيا- لم تكن له شريعة فاعلة، ولأنه -ثالثا-لم يكن محتضنا للعقل؛ بل كان محاربا له، ولأنه -رابعا-امتزج بالوثنية، وفقد ذاته الروحية وتوحيده الإلهي منذ مجمع نيقية (325 م) ... كما أن اليهودية لم يكن لها امتداد عالمي، أو مشروع حضاري إنساني؛ بل كانت -دائما-عقيدة عنصرية قومية مغلقة!!

إنه على امتداد القرون التالية لميلاد الإسلام 610 م لم يكن هناك مشروع حضاري واضح القسمات والمنهج غير الحضارة الإسلامية ...

ولو أن المسلمين لم يصابوا بالهمود الحضاري، والتآكل الداخلي، والغياب عن فقه السنن الاجتماعية والكونية؛ ولو أنهم نجحوا في دخول عصر التقدم التقني الحديث، مسلحين بالعقل، والروح والمادة، مازجين بين القراءة الإلهية التي قدمها الوحي (( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ) [العلق: 1] ، والقراءة الكونية (( اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ) ) [العلق: 3 - 4] ، لو أنهم فعلوا ذلك لأمكن أن يتفوقوا على اليابان، وعلى النماذج الغريبة الموجودة أمامنا ...

وفي هذا الإطار فإن تجربتهم في التاريخ كانت ستقدم لهم كثيرا من مقومات الإقلاع الحضاري، وكانت ستكشف لهم -من خلال رصد الإيجابيات والسلبيات- الخصوصية الحضارية التي لن ينطلقوا بدونها، وكانت -بالتالي- ستوفر عليهم هذه الفوضى الفكرية، وهذه التبعيات المتتالية للفكر الأوروبي: شرقية أو غربية، وهذه الازدواجية المتناقضة بين الحكام والمحكومين، وبين بعض شرائح الحضارة الإسلامية التي تسمى دولا وبعضها الآخر، وبين بعض المفكرين والمفكرين الآخرين، وكان في الإمكان أن يتحول الخلاف إلى تكامل، واختلاف الوسائل إلى مصب واحد في نهاية الأمر، ولربما نجح المسلمون في أن يوفروا قرونا ثلاثة؛ تاهوا فيها في التاريخ، وبددوا طاقات مادية ومعنوية لا يعلم حقيقتها إلا الله.

ولكي تكون نهضة الأمة حقيقية، فلا بد لها من دراسة ماضيها دراسة واعية شاملة، وهذا يقتضي منها بعث تجربتها التاريخية بعثا جديدا، وتمثلها تمثلا جديدا؛ لا يكتفى فيه بالرصد السياسي، ولا بسلامة الرواية والنقل، ولا بالنقد الجزئي للمتن؛ بل بالاستلهام الشامل لماضي الحضارة الإسلامية، عبورا بسلامة الوثائق، وبالنقد الجزئي، ووصولا إلى تفسير إسلامي موضوعي للتاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت