فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 95

كما أن (عقل) الحضارة الإسلامية، وما أفرزه من إبداعات في الفكر، والفن، والأدب، والفقه، والفلسفة، والعمارة، والزراعة، والصناعة يجب أن ينظر إليه -كذلك- كوحدة ...

و (روح) الحضارة الإسلامية التي هي جوهرها وقلبها، هي وحدة كذلك بكل ما تضمه من عقيدة وأخلاق وتشريع وصياغة روحية للحياة؛ تؤمن بالغيب كما تؤمن بعالم الشهادة، وتستعين بذلك على صياغة الحياة، وتؤمن بوجود الله، وبعنايته، ورعايته لحركة الإنسان في التاريخ ...

إنه -سبحانه وتعالى- يساعد الإنسان، ولا يكبله، ويحنو على خطاه، ويدفعها للأمام، ولا يجمدها أو يشدها إلى الخلف ... وما الأنبياء والمرسلون إلا منظمون لحركة الإنسان حتى لا يحاول القفز من فوق السنن الكونية، وضوابط الحركة الاجتماعية، ويعبد ذاته، ويجعلها هدفا، وينسى وظائفه الوجودية، وارتباطاته العليا بمسؤولية إنسانيته وبوظيفة سامية في هذا الكون ...

إن ما يقدمه الأنبياء ليس تكبيلا -كما يفهم الملحدون المتخلفون- وإنما هو شارات الطريق وخريطة الفعل الحضاري التي تفرق بين المنطقة الصالحة للسير، والمنطقة المهلكة التي يموت فيها الإنسان، وتنهار الحضارة في أوحالها ورمالها المتحركة!!

ونحن لم نجد في التاريخ حضارة مشت بدون هذه الشارات والضوابط، وتجرأت على المناطق الحرام؛ إلا كان مصيرها الزوال مهما امتد بها العمر، وقد ورثها قوم آخرون مضوا وفق سنن الله والضوابط والشارات التي وضعها المرسلون من الله سبحانه وتعالى.

ويعد من أهم ما يلتزم به التفسير الإسلامي للتاريخ أن يقسم تاريخ البشرية على ضوء تفاعلها مع رسالات الأنبياء ومستوى إيمانها بها، ومحاولاتها تقديم صياغة للحياة على ضوء الثوابت العقدية والتشريعية التي قدموها، أو -من جانب آخر- خروجها على هذه الثوابت وما أصابها في مسيرتها من جراء هذا الخروج.

وعندما يصل التاريخ البشري -من مراحل تعدده- إلى مرحلة نزول القران وظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يكون قد انتهى إلى المرحلة القرآنية التي تتألق فيها الرسالة النبوية والإسلامية الشمولية،

وبدءا من هذا التاريخ تبدع الإنسانية المسلمة حضارة تمتد إشعاعاتها إلى كل قارات الأرض

ونحن نرى البشرية -هنا وبدءا من هذه المرحلة الفاصلة- تنقسم بوضوح شديد أكثر من أي مرحلة سابقة إلى (إسلام) و (كفر) أو (إسلام) و (وثنية) ... وفي هذه المرحلة التي تعكس الهيمنة القرآنية نرى امتزاج العقل بالوحي، ونرى تكاملا يقدم للبشرية نموذجا حضاريا وإنسانيا متوازنا؛ يتكامل فيه إبداع الجسم مع العقل مع الروح ...

وعندما كان المسلمون يمرون بمراحل التخلف كان التوازن يختل، ويتفوق رصيد الجسم على رصيد العقل، أو رصيد الروح، وكانت النسب التعادلية تتعرض -بالتالي- لخلل جوهري، ينتهي إلى إفراز إبداع حضاري تنقصه بعض خصائص حضارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت