وهذا النسيج المتصل بأركان الحياة الفردية والاجتماعية من كل زواياه لا يتأثر إلا قليلا بالتحولات التي تقع في المستوى السياسي، ولاسيما وأنه إلى ما قبل التخلف الحضاري العلمي والفكري الذي وقع فيه المسلمون في مواجهة الحضارة الأوروبية الحديثة؛ كان المسلمون - على الرغم من كل ما لحق بهم من هزات وتقلبات هم أصحاب الحضارة العليا، وهم أساتذة الدنيا، وحتى لغتهم كانت الأولى في العالم التي تعتبر لغة الثقافة والحضارة!!
وهذه الحقيقة الثابتة تسقط -من ثم- كل التفسيرات السطحية التي وقفت كثيرا عند بعض المعابر السياسية في التاريخ الإسلامي السياسي، مثل ما سمي (بالفتنة الكبرى) بين علي ومعاوية (رضي الله عنهما) وما سمي بقيام بيني أمية، وظهور الملك العضوض وآثاره -في رأي بعضهم- ومثل سقوط بني أمية وقيام بني العباس، أو ظهور المماليك أو سقوطهم، إلى أن يصل الأمر إلى سقوط بني عثمان، وقيام عصر الدويلات الطائفية الأخيرة، وهو الحدث الذي يعتبر -بحق- من التحولات التاريخية الأسيفة، ليس لمجرد سقوط العثمانيين وخلافتهم، بل لأن هذا السقوط تبعه تنحية شريعة المسلمين على المستوى الرسمي، وتفكك المسلمين على المستوى العقدي والفكري، وخضوعهم لتيارات (أيديولوجية) معادية للثوابت الإسلامية، وعجزهم عن المواجهة الموازية للتحديات الحضارية التقنية، والعلمية، والسياسية، والعسكرية، التي يتمتع بها الذين أسقطوا خلافة بني عثمان.
إن سقوط بغداد سنة (656 هـ) على يد التتار لم يكن تحولا حضاريا، وإن كان تحولا سياسيا؛ ذلك لأن مبادئ الحضارة الإسلامية لم تلبث أن تفوقت على الغزاة المنتصرين، وحولتهم إلى جنود لها ... كما أن العباسيين والأيوبيين والمماليك؛ مثلوا جميعا الحضارة الإسلامية على اختلاف في مستويات التعبير!!
فخط السياسة غير خط الحضارة إذن!!
وبالطبع ليس بوسعنا أن نتجاوز معبر سقوط الأندلس وغرناطة سنة (897 هـ- 1492 م) فهنا صفحة طويا وامتزجت بقايا إشعاعاتها بأرض المغرب العربي ... ومع أنها (محطة) حقيقية يجب الوقوف طويلا عند عوامل سقوطها، إلا أن المسلمين لم يتحدثوا عنها كما تحدثوا عن قيام بني أمية وفتنة علي ومعاوية (رضي الله عنهما) ، مع أن الثانية ليست إلا تغييرا في الشريحة السياسية والأسلوب السياسي في الحكم، وقد يكون تغيرا له مبرراته التاريخية؛ بينما كانت الأولى (سقوطا) و (انقطاعا) حضاريا بكل معنى الانقطاع الحضاري في هذا الركن الجنوبي من أوروبا ... وللأسف فإن المنهج الخطأ جعل كثيرا من المسلمين يتحدثون عن أمجادهم في إسبانيا، دون أن يقدموا دراسات تفصيلية جادة ومكثفة عن أسباب سقوط الأندلس!!
إن التفسير الإسلامي للتاريخ يجب أن يعيد ترتيب (( المحاط ) )في دراسة التاريخ الإسلامي اعتمادا على (وحدة الحضارة) من جانب، وعلى (الحضارة) -كوحدة- من جانب آخر!!
(فجسم) الحضارة الإسلامية الذي هو الكيان المادي للمسلمين من تراب وإنسان يجب أن ينظر إليه على أساس أنه وحدة ...