النظام في بغداد، وأقدم على اتخاذ قرار بتأمين الحاجات الضرورية للناس، وعلى رأسها المسكن، فأمر بشراء بيت لكل فقير يسكن في كوخ، وقد راقب المقتدي حركة البيع والشراء، ومنع التلاعب بالموازين والأسعار [1] .
وكانت المدارس الفقهية هي الظاهرة اللافتة للنظر؛ لأنها تعكس تطور الحركة الفقهية، وعلم الحديث، والتفسير، والآداب، واللغة؛ لأنها جميعا كانت مواد التدريس التي يتلقاها طلاب هذه المدارس، وكان انتشار المدارس بمدينة بغداد في عصر السلاجقة هي الحدث الأكبر والأهم الذي حققته الحضارة الإسلامية، وتعتبر بحق قفزة كبيرة في سلم التطور العلمي، بعد أن كان التدريس محصورا في المساجد وبعض الكتاتيب.
وقد أنشئت المدارس لخدمة المذاهب الفقهية، ولتغذية أجهزة الدولة بالقدرات العلمية اللازمة [2] .
وقد احتل الفقهاء ورجال العلم منزلة رفيعة في المجتمع الإسلامي بمدينة بغداد؛ في أيام المقتدي بالله العباسي، وساهموا في معظم الأحداث التي شهدتها المدينة، وازدهرت في هذه المرحلة مذاهب الفقه السنية الثلاثة: مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أبي حنيفة [3] .
أما الخليفة المستظهر أبو العباس أحمد المقتدي فقد حكم بين سنتي (487 - 512 هـ) ، ويصفه المؤرخون بأنه لين الجانب، كريم الأخلاق، يحب اصطناع الناس، ويفعل الخير، ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات [4] ، وكان مؤثرا للإحسان، حافظا للقرآن، محبا للعلم، منكرا للظلم، وكان مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه، وكان كثير الوثوق بمن يوليه، غير مصغ إلى سعاية ساع، ولا ملتفت إلى قوله، ولم يعرف منه تلوث وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأغراض [5] .
وكان جميل السيرة متصفا بالعدل والإنصاف، ناهيا عن قصد الجور والاعتساف، سمحا جوادا، هينا لينا، حسن المعشر، قد حسن الله خَلقه وخلقه، وبره وأدبه، وجهه أبيض مشرب حمرة، تام الطول، لطيف المحاسن، نقش خاتمه {ثقتي بالله وحده} ، يحب العلماء والصلحاء، كبير الهمة، سهل العريكة، وكانت أيامه أيام سرور للرعية؛ فكأنها من حسنها أعياد، وكان حسن الخط، جيد التوقيعات [6] .
وقد تميزت العلاقة بين المذاهب الإسلامية في عهد المستظهر بالصلح، والمودة، والاحترام، وهذا كان بفضل السياسة الحكيمة التي اتبعها الخليفة في معاملة عامة الناس.
ويعد عهد المستظهر من أزهى العهود التي عرفها أهل الذمة ببغداد؛ لأن المستظهر حرص على معاملتهم بالحسنى، وقرب زعماءهم.
(1) محمد حسين شندب: الحضارة الإسلامية في بغداد، ص: 18.
(2) المرجع السابق، ص: 56.
(3) المرجع السابق، ص: 60، 61.
(4) عز الدين أبو الحسن بن الأثير: الكامل، ص: 535، طبعة دار صادر ـ بيروت، وانظر: محمد حسين شندب: المرجع السابق، ص: 85، 86.
(5) ابن الأثير: المكان السابق، ص: 535، والمرجع السابق، ص 187.
(6) ابن الأثير: الكامل 10/ 536، وانظر: ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 8/ 294، حيدر آباد - الهند، سنة 1358 هـ.