والحق -عند النظر الفاحص- أن التاريخ السياسي، والعسكري قد يشكل عبئًا على حركة الحضارة ... فقليل من الحكام كان صالحًا، وقليل من المعارك كانت ذات فائدة، أو كانت موجهة دفاعًا عن المثل العليا أو لحماية الحق، وأكثر المعارك كانت لخدمة أطماع توسعية، أو لخلافات شخصية بين أمزجة الحكام، كما أنها كانت تتم بأساليب همجية لا يقرها الوحي الإلهي، ولا العقل الصحيح!!
إن تاريخنا ليس فردًا في هذا المجال .. فمعظم تواريخ العالم -إن لم يكن كلها- يشوبها سلوك معظم حكامها وعسكرييها: أباطرة كانوا، أو قياصرة أو كياسرة، أو ملوكًا فراعنة .. إن معظم هؤلاء كانوا كالديدان التي تعيش على أفضل ما في الجسم وتقتله في آن واحد.
فكيف يصبح هؤلاء محور دراسة تاريخية والحضارية مع أنهم يمثلون أكبر جوانب السلب فيها ... ؟!
وإن عظمة كثير من الحضارات -وعلى رأسها الحضارة الإسلامية- أنها بقيت بالرغم من الفساد الذي يجلبه هؤلاء!! إن التنظير الإسلامي الحضاري للتاريخ ضرورة للمسلمين وللإنسانية كلها ... وهو -في الوقت نفسه- حق للمسلمين، وواجب عليهم ... وعندما نتجه علميا وبصورة جماعية - للبحث في أساسيات هذا التفسير، فإن علينا أن نعيد قراءة حولياتنا التاريخية وموسوعاتنا الحضارية، وكتب الفقه، والأدب، والرجال، والطبقات؛ باذلين معظم الجهد في التعرف على حياتنا الحضارية التي تقوم على الفكر والثقافة والعلم -أولًا- وعلى النشاط الاجتماعي- ثانيًا والنشاط الاقتصادي -ثالثًا- والنشاط السياسي والعسكري -رابعًا-!!
ومن الواجب أن نصهر كل هذه الفعاليات في بوتقة واحدة؛ لأن الفعل الحضاري يتأثر بالبيئة المعاشية كلها، مراعين في الوقت نفسه النسبة المحددة لكل نشاط وأثره في الحضارة، ومراعين ترتيب العناصر وفق أولويتها، والنسب المحددة لها.
ويتضح لنا كيف أننا ظلمنا تاريخنا الحضاري، وأعطينا الساسة والعسكريين أكثر من حقهم عندما نتأمل هذه العبارات التي كتبها أحد المفكرين وهو يتحدث عن الكنوز المنسية والمظلومة الموجودة في تراثنا والتي أهملت بسبب طغيان الجانب السياسي والعسكري ...
يقول الكاتب:
(( لو أني بقيت خمسين سنة أحدث الناس كل أسبوع عن علم من أعلام المسلمين، أو أعرض عليهم قصة من قصص بطولاتهم وعبقرياتهم لما انتهيت، ولما قاربت الانتهاء ... وكيف؟ وعندي في مكتبة بيتي الصغيرة أكثر من خمسين مجلدًا في تراجم الرجال، لو أن في كل مجلد منها مائة ترجمة لكان في ذلك وحده خمسة آلاف ترجمة، لخمسة آلاف علم من أعلام الإسلام، وما ليس عندي من كتب التراجم أضعاف ذلك.