فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 95

ثم إن في كتب التاريخ والأدب، والمحاضرات والرحلات، آلافًا أخرى لم تفرد في كتب التراجم )) [1] .

إن صفحة من صفحات حضارتنا -ومثلها عشرات الصفحات- لم تكتب من منظور حضاري كما ينبغي أن تكتب ... إنها صفحة القضاء، والقضاة، هؤلاء الذين كانوا الحكام الاجتماعيين للشعب، وكان الحكام كثيرًا ما يخضعون لهم .... وعلى امتداد العصور الإسلامية، وقبل العصر الثوري المدمر اشتهر القضاة بالقوة والعدل، والورع، وتطبيق الشريعة بلا مجاملة أو محاباة.

كان محمد بن عمران قاضي مكة، فادعى لديه جمال على أمير المؤمنين العباسي، أبي جعفر المنصور، فبعث إليه (مذكرة جلب) فجاء في خف وطيلسان ما عليه من شارات الإمارة شيء، حتى وقفه بين يديه مع الجمال!!

وكان شريك قاضي الكوفة، وادعت لديه امرأة مجهولة على الأمير الخطير ابن عم الخليفة، وثاني رجل في الدولة بعد عيسى بن موسى، فحكم عليه حكما غيابيا، فامتنع الأمير من إنقاذه وتوسل إليه بكاتبه، فحبس القاضي الكاتب؛ لأنه مشى في حاجة ظالم، فاستعان عليه بجماعة من وجوه العراقيين من إخوان القاضي، فساقهم جميعًا إلى الحبس، فغضب الأمير، وبعث من أخرجهم، عند ذلك عصفت نخوة الشرع في رأس القاضي، وأخذته عزة الإيمان فقال: (( والله ما طلبنا هذا الأمر(يعني المنصب) ، ولكنهم أكرهونا عليه، وضمنوا لنا فيه الإعزاز إذا تقلدناه لهم )). ثم ختم قمطره، وجمع سجلاته، واحتمل بأهله وتوجه نحو بغداد، ووقعت الرجفة بالكوفة لما علمت بخروج القاضي، حتى خاف الأمير على سلطانه، فلحق بالقاضي يناشده الله أن يرجع، فقال القاضي: (( لا والله حتى يرد أولئك إلى الحبس فما كنت لأحبس أنا وتطلق أنت ) )، فبعث الأمير أن يرجعهم إلى الحبس، والقاضي واقف ينتظر حتى جاءه الخبر بأنهم قد أرجعوا، فقال القاضي لغلامه: (( خذ بلجام الفرس الأمير وسقه أمامي إلى مجلس الحكم في المسجد ) )، وهناك أجلسه بين يديه مع المرأة، فلما انتهت المحاكمة، وحكم لها عليه نهض فسلم عليه بالإمارة، وقال له: (( هل تأمر بشيء؟) فضحك الأمير، وقال: (( بماذا آمر؟ وأي شيء بقي؟ ) )قال له شريك: (( أيها الأمير، ذاك حق الشرع، وهذا حق الأدب .. فقام الأمير، وهو يقول: من عظم أمر الله، أذل له عظماء خلقه!! [2] .

وكان القضاة إذا عقدوا مجلسًا للقضاء، لا يفضلون صاحب قضية على آخر، بناء على مركز صاحبها، ومن أخبار القاضي (عمر بن عبد الله) أنه كان إذا جلس أمر من كانت عنده خصومة أن يكتب اسمه في رقعة، ثم يجمع هذه الرقاع ويخلطها بين يديه، ويدعو بأصحابها الأول فالأول، حسبما تخرج يده من رقاع [3] .

وقد وقف يدي المأمون وهو في مجلس المظالم رجل يتظلم منه نفسه؛ فترادا الكلام ساعة فما اتفقا، قال المأمون: فمن يحكم بيننا؟ قال: الحاكم الذي أقمته لرعيتك (يحيى بن أكثم) ، فدعا به المأمون فقال له: اقض بيننا. قال: في حكم وقضية (أي في

(1) الشيخ علي الطنطاوي: قصص من التاريخ (المقدمة) ، طبع بيروت.

(2) على الطنطاوي: فكر ومباحث، ص: 104 - 105، طبعة 2 (1408 هـ) بيروت.

(3) الخشني: قضاة قرطبة، ص: 149، بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت