دعوى)؟ قال: نعم، قال القاضي: لا أفعل. فعجب المأمون، وقال: لماذا قال يحيى: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضاء، فإن كانت له دعوى فليأت مجلس الحكم (أي المحكمة) . قال المأمون: قد جعلت داري مجلسًا للقضاء. قال: إذن فإني أبدأ بالعامة ليصح مجلس القضاء (وتكون المحاكمة علنية) . قال المأمون: افعل. ففتح الباب، وقعد في ناحية من الدار، وأذن للعامة، ونادى المحضر، وأخذت الرقاع (أوراق الدعوة والإعلان) ودعي الخصوم على ترتيبهم حتى جاءت النوبة إلى المتظلم من المأمون، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين (المأمون) ، فنادى المحضر: (( عبد الله المأمون ) )!! فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى، ويحيى جالس فقال للمأمون: اجلس!! فطرح الغلام المصلى ليقعد عليه فمنعه القاضي حتى جاء بمصلى مثله، فبسط للخصم وجلس عليه [1] .
ولم يكن معظم القضاة يتجه للقضاء رغبة في كسب المال أو المركز؛ وإنما كان اتجاههم للقضاء رغبة فيما عند الله من الأجر والثواب، ومن هؤلاء -على سبيل المثال- القاضي (أحمد بن محمد بن خلف الملقب بأبي القاسم الحوفي الإشبيلي) ، فقد كان يسترزق أثناء القضاء من عمل يده، وكان القاضي ابن سماك الهمداني عندما تولى القضاء يقوم بحاجته اليومية بنفسه، فكان يكسر الحطب على باب داره والناس من حوله يختصمون إليه ويسألونه [2] .
ومن الوزراء يقدم لنا مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير (ت 606 هـ) نموذجًا للوزير العالم الزاهد في الحكم وفي الدنيا، فقد خدم الأتابك عز الدين بن مودود وولده نور الدين أرسلان شاه فصار واحد دولته لدرجة أن نور الدين كان يقصد منزله ليستشيره عندما أقعد بسبب المرض في آخر زمانه. وقد كاد طبيب مغربي أن يصل به إلى الشفاء من مرض النقرس، وأشرف على الشفاء الكامل؛ لكنه صرف الطبيب عن إتمام العلاج، وقال لأخيه عز الدين عندما عاتبه على طرد الطبيب الذي ظهر نجاحه: إنني في راحة من صحبة هؤلاء القوم (يعني الأمير والحاشية) وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم، وها أنا اليوم قاعد في منزلي فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته ولم يبق من العمر إلا القليل فدعني أعش حرا سليما من الذل وقد أخذت منه أوفر حظ.
وهكذا لزم الرجل بيته صابرا محتسبا يغشاه الأكابر والعلماء، وكان قد أنشأ رباطا بقرية من قرى الموصل تسمى (قصر حرب) ووقف أملاكه عليه وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل [3] .
(1) علي الطنطاوي: فكر ومباحث،2/ 105، 106، طبعة 2 (1408 هـ) بيروت.
(2) الخشني: قضاة قرطبة، ص:57.
(3) د. محمود الطناحي: مقدمة تحقيق منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير، طبع جامعة أم القرى 1983 م، ص 16 - 18 بتصرف.