فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 95

وقد عمر علماؤنا الحياة بالعلم والعمل، وكانوا -مع ذلك- زاهدين في الدنيا؛ زهد القادرين لا خضوع المستسلمين المنهزمين .. وقد جاء بعض من أرخوا لهم فظلموهم وصوروهم وكأنهم صوفية متواكلين؛ يعيشون بلا عمل ويعتمدون في حياتهم على الصدقات، مع أن الزهد بمعنى التوكل، والكسل لم يكن في الزهاد المخلصين؛ وإنما اتسم به نفر من أدعياء التصوف من الجهلة والعوام ...

كلا ... فما كان صناع حضارتنا كذلك، وما فهموا الزهد إلا بمعنى الثراء والاستعلاء، وما فهموا العبادة إلا بمعناها الكوني الفسيح الذي سخر الدنيا لراية التوحيد ...

ولقد جرت محاورة بين اثنين من كبار الصالحين وضحت هذا التصور الصحيح، فقد قال الفضيل بن عياض لعبد الله بن المبارك (رضي الله عنهما) : أنت تأمرنا بالزهد ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، فكيف تأمرنا بشيء وتفعل خلافه؟. فقال له عبد الله بن المبارك: يا أبا على أنا أفعل هذا لأصون به وجهي، وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي ... ولا أدري لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به [1] !!

فالزهد أن تكون قادرًا غنيًا ثم تزهد وتعطي ... لا بد أن تكون خاملا فقيرًا تأكل من أوساخ الناس وصدقاتهم.

وكان الليث بن سعد فقيه مصر وعالمها الأكبر في عصر هارون الرشيد، وكان مع ذلك من أثرى أثرياء عصره، وكان زاهدًا كريمًا ... ويروى أن الخليفة (هارون الرشيد) بعث إلى الإمام مالك بن أنس بخمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب الرشيد وقال له: كيف نعطيه أكثر مني وأنت من رعيتي؟ فقال له الليث: إن لي من غلتي كل يوم ألف دينار فاستحييت أن أعطي مثل هذا الإمام أقل من دخل يوم [2] .

وقد ورد في ترجمة الإمام أبي حنيفة النعمان أنه كان تاجر أقمشة مع شريك اسمه حفص فباع شريكه لأحد الزبائن ثوبًا فيه عيب، ولم يخبره بعيبه، ولم ينقص له الثمن، بل استوفى منه الثمن كاملًا، فلما علم أبو حنيفة بذلك، راح يبحث عن المشتري ويفتش عنه، وساعده شريكه في البحث والتفتيش فلم يقفا له على أثر ولم يعثرا عليه، فعندئذ رفض أبو حنيفة أن يقبل ثمن الثوب ولم يضمه إلى ماله بل تصدق به كله، وفسخ الشركة مع شريكه احتياطا لدينه.

وكان يونس بن عبد الجليل من كبار علماء العصر العباسي، وكان صاحب متجر لبيع الأقمشة والثياب، وقد رويت عنه قصص دالة على النهاية في الورع، والروعة في الإخلاص في البيع والشراء [3] .

(1) نقلا عن: ناجي الطنطاوي: كلمات نافعة، ص: 221، دار المنارة، جدة، سنة 1408 هـ.

(2) المرجع السابق، ص 229 بتصرف.

(3) المرجع السابق، ص:241،242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت