فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 95

وكان كثير من القضاة والفقهاء والمحتسبين ذوي شجاعة وتدرب على فنون القتال، وقد ذكرت كتب الرجال كثيرًا من هؤلاء؛ نورد منهم هنا (الفرج بن كنانة) ؛ أحد كبار القضاة في قرطبة الذين قادوا الجيش وجاهدوا مع المجاهدين، وقاموا في الوقت نفسه بدور اجتماعي كريم. ومنهم أيضا الفقيه القاضي المعروف (أسد بن الفرات) في تونس.

ويعتبر الإمام ابن جرير الطبري (310 هـ) ، والإمام أبو محمد علي بن حزم (456 هـ) ، والإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (728 هـ) ، وغيرهم من أصحاب الموسوعات الكبرى والهمم العالية التي ندر وجود مثلها في الحضارات في عصور كانت تخلو من كثير من الوسائل المساعدة الحديثة ... يعتبر هؤلاء ظاهرة تحتاج إلى رصد واستقصاء، ودراسة موضوعية لأسباب هذه العبقريات -كيفًا وكمًا- وأسباب هذا العطاء العملاق.

ويقول الطبري عن نفسه: حفظت القران ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع. وقد قسم ما ألفه الطبري أيام عمره منذ ولد فكان أربع عشرة ورقة كل يوم!! وكان ابن حزم ثاني مؤلفي الإسلام، وقد ألف أكثر من أربعمائة كتاب ورسالة.

وتقع فتاوى الإمام ابن تيمية في أكثر من خمسة عشر ألف صفحة، ويقع كتابه (درء تعارض العقل والنقل) في أكثر من عشرة أجزاء في الطبعة المحققة، بالإضافة إلى عشرات الكتب الأخرى التي تصل إلى آلاف الصفحات؛ فضلًا على جهاده المعروف ومعاركه ضد البدع والأهواء.

وقد كان علو الهمة وقوة الإرادة، والعمل الدؤوب شاغلهم الأشغل.

والإمام ابن الجوزي يقول عن نفسه: نظرت إلى علو همتي فرأيتها عجبا وذلك أنني أروم نيل كل العلوم، وأروم نهاية العمل بالعلم مع مطالعة التصانيف وإفادة الخلق، وأروم الغنى عن الخلق؛ والاشتغال بالعلم مانع من الكسب وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع نفس في غير فائدة [1] .

إن هؤلاء -وآلافا مؤلفة غيرهم- هم الذين صنعوا حضارتنا، وهم الذين يقدمون لنا أبرز ملامح الرؤية الإسلامية للتاريخ!! (وليس الساسة أو العسكر) !!

وفي نهاية هذا الشوط يجب أن نكون واضحين في موقفنا من أنفسنا ومن الآخرين ... فهل نحن مجرد شريحة من شرائح الجنس البشري لا تتميز بشيء، وهمها الأكبر أن تصل إلى التقدم والرفاهية، وبالتالي يمكننا -إذا كان ذلك ممكنا- أن نحطم كل شيء في سبيل هذا الهدف العاجل والظرفي، أو أننا شريحة من الجنس البشري تمثل (قلب) هذا العالم (وضميره) وأن مهمتنا

(1) المرجع السابق، ص: 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت