أغنته عن الالتجاء إلى القوة إلا في ظروف جد نادرة ... ولقد كان طريقه إلى السلطة أقل تخضبا بالدماء من طرق معظم من أسسوا أسرا حاكمة جديدة [1] .
وكان يجلس للناس خمس مرات في اليوم، وقد استؤنفت الفتوحات الإسلامية في عهده بعد توقف، وكان يسمع المدح في منافسه في مجلسه؛ بل ويسمع بفضله عليه ولا يعاقب على ذلك ...
أما عبد الملك بن مروان؛ فقد سار على خطى معاوية، وحاول أن يطبق سياسته الداخلية في الجلوس للناس، وكان من فقهاء المدينة المعروفين، وقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك، وكان من فاتحي إفريقية قبل الخلافة، وقد استقرت قواعد الدولة في عهده، وظهر طابعها العربي واستقلالها الحضاري.
أما ابنه الوليد الأول ففي عهده (واصل العرب فتوحاتهم فاستولوا على بلخ في عام(86 هـ/ 705 م) ، وكان الوليد مثلا طيبا للحكام، يعني بشؤون الإدارة أكثر من عنايته بالحرب، ويشجع الصناعة والتجارة؛ بفتح الأسواق الجديدة، وإصلاح الطرق، وينشئ المدارس والمستشفيات -ومنها أول مستشفى معروف للأمراض المعدية- وملاجئ للشيوخ، والعجزة، والمكفوفين، ويوسع مساجد مكة، والمدينة وبيت المقدس، ويجملها، وينشئ في دمشق مسجدا أعظم من هذه المساجد وأفخم، ولا يزال باقيا فيها حتى اليوم [2] .
ولما جاء عمر بن عبد العزيز (99/ 101 هـ - 717/ 719 م) أعاد سيرة الراشدين، واعتبر بإجماع الأمة خامس الراشدين، وأحدث عودة حميدة شعبية ورسمية للإسلام.
وقد حكم هشام الدولة حكما عادلا ساد فيه السلم، وأصلح خلاله الشؤون الإدارية، وخفض الضرائب، وترك - بعد وفاته - بيت المال مليئا بالأموال [3] .
فهؤلاء - كما نرى - (معاوية، وعبد الملك، والوليد، وعمر، وهشام) خمسة من خلفاء بني أمية، حكموا نحو ثلاثة أرباع عمر الدولة، وقدموا خدمات كثيرة للحضارة الإسلامية، باعتراف مؤرخ أوروبي كبير، يحاول أن يقترب من الإنصاف، وقد كتب ديورانت ما كتبه ضمن رصد شامل للحضارة الإنسانية، وليس في دراسة مستقلة متخصصة، ومع ذلك جاء في كلام (ول ديورانت) -كما رأينا-ـ قدر كبير من الإنصاف ضمن منظومة (قصة الحضارة) ، وذلك على العكس من كتابات العلمانيين الذين لم يحسنوا قراءة تاريخ الإسلام؛ بل أغلب الظن عندي أنهم أو بعضهم لم يقرءوه أصلا!!
وقد اهتم الأمويون بتجديد المساجد الأولى التي أنشئت في عصر الراشدين؛ مثل جامع البصرة والكوفة والفسطاط، وجامع صنعاء الكبير، كما اهتموا بتأسيس عدد كبير من المساجد الجامعة؛ مثل جامع دمشق، والجامع الأقصى، وقبة الصخرة، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع عقبة بن نافع في القيروان، كما جددوا المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك، وزادوا في جامع عمرو بن العاص عدة مرات [4] ، وقد ازدهرت الحياة الفكرية في العصر الأموي، وشملت مجالات
(1) ول ديورانت: قصة الحضارة 13/ 81، طبع مصر، الطبعة الأولى.
(2) المرجع السابق 13/ 83.
(3) المرجع السابق 13/ 83.
(4) السيد عبد العزيز سالم: تاريخ الدولة العربية، ص: 436، وما بعدها - بتصرف - طبع الإسكندرية، (1982 م) .