فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 95

العلوم الدينية واللغوية والاجتماعية والرياضيات والفلك والطبيعيات [1] ، وكان من أهم العلوم الدينية: (القراءات والحديث - الذي دوِّن في عصرهم - وعلوم القرآن) [2] .

ولما كان العهد الأموي عهد فتوحات وتفاعل مع الحضارة المعاصرة؛ فقد وقف الحكام وعلماء الأمة وقفة حضارية أصيلة في وجه الأفكار والعلوم والنظم واللغات الوافدة، وقد نجحوا في وضع الضوابط والمناهج، وأسس هذه العلوم؛ التي تكفل التأصيل الصحيح، والمواجهة الايجابية، والاستجابة المثلى للتحدي الفكري.

وكما نشأت علوم اللغة لمواجهة اللحن، فقد نشأت المذاهب الفقهية للاجتهاد في الوقائع الجزئية التي تكاثرت، فظهر الإمام أبو حنيفة (80 - 150 هـ) ، والإمام مالك ولد سنة (93 هـ) ، وقيل (95 هـ) ، وتوفى سنة (179 هـ) -رضي الله عنهما- وكذلك نشأ علم الحديث بفروعه الكثيرة والرائعة لمواجهة الوضع والوضعين.

وكان القضاء قائما على خير الوجوه الشرعية وأحكمها، فقد جرى معاوية بن صخر بجهده في ملاحظة القضاء ورسومه على حدث وترتيب زمانه، جاريا في ذلك على سنن من تقدمه [3] ؛ أي على سنن الراشدين.

وحقيقة أن الدولة العباسية لم تكن دولة فتوحات؛ لأسباب كثيرة: منها أن الأمويين قد تركوا لها ما يكفيها من الأرض؛ بل إنها كانت في حاجة إلى جهد كبير لتحكم قبضتها على الأرض التي تحت أيديها، وكانت الدولة العباسية -بالتالي، تتجه إلى الداخل، وترعى- في حدود المتاح للحكم - العلوم والآداب، وكان الشعب مشغولا بصناعة الحضارة مطمئنا، تهيأت له الفرص، ونشر العباسيون الرخاء أمام الناس لستة قرون لم ير قط مثل هذا الرخاء بعد عهدهم كما يقول (ول ديورانت) ، وقد ازدهرت العلوم والآداب والفنون ازدهارا جعل آسيا الغربية لخمسة قرون أرقى أقاليم العالم كله حضارة [4] .

ونال التعليم من العناية القدح المعلى والحظ الأوفر، ظهرت مراحله الأولية والثانوية والعالية، وحدث أن وضعت الحكومة هذه {المدارس الثانوية} تحت إشرافها، وتكفلت بالإنفاق عليها، وكان التعليم بالمجان، وكان المعلمون والطلاب يتناولون مرتباتهم ونفقاتهم في بعض الأحيان من الحكومة أو من أموال البر والصدقات، وكان الطلاب يجوبون أطراف البلاد الإسلامية؛ ليقابلوا عالما كبيرا أو مصلحا مشهورا، وكان على كل طالب علم يريد أن تعلو مكانته في بلده أن يسافر إلى مكة، أو بغداد، أو دمشق، أو القاهرة، ليستمع في واحدة منها أو أكثر من واحدة إلى كبار العلماء، وكان من الأسباب التي يسرت انتشار الأدب العربي في بلاد الإسلام المختلفة وجعلته أدبا دوليا واحدا، أن لغة التعليم والأدب في جميع البلاد الإسلامية -مهما اختلفت أجناس أهلها- هي اللغة العربية؛ التي بلغت من سعة الانتشار ما لم تبلغه اللغة اليونانية [5] .

وقد ساعد على انتشار الأفكار العربية والاسلامية أيضا؛ أن العرب كانوا قد عرفوا الورق، وافتتحوا في بغداد أول مصنع للورق عام (794 م) على يد الفضل بن يحيى (وزير هارون الرشيد) ، ونقل العرب هذه الصناعة إلى صقلية وإسبانيا، وفي

(1) المرجع السابق، ص: 421.

(2) المرجع السابق، ص: 423.

(3) أبو الحسن بن عبد الله النباهي الأندلسي: تاريخ قضاة الأندلس، ص: 24، طبع دار الآفاق، بيروت - الطبعة الخامسة (1403 هـ) .

(4) ول ديورانت، قصة الحضارة 13/ 150.

(5) ول ديورانت: قصة الحضارة 13/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت