الفترة نفسها وجد الورق في مصر، وبدأ ينتقل إلى معظم العالم الإسلامي، وبالطبع فقد يسر هذا الاختراع تأليف الكتب في كل بلد انتقل إليه.
وكانت معظم دروس الفقه والعقيدة في العصر العباسي تعطى في المسجد، والمستمعون على هيئة حلقة بين يدي المدرس، وكان يتخذ مكانه إلى جانب أسطوانة في المسجد، مستندا إليها بظهره إن أمكن، وقد أحصى المقدسي في المسجد الجامع بالقاهرة -كما يؤكد آدم متز- وقت العشاء مائة وعشرة من مجالس العلم [1] .
لقد حقق المنصور للدولة العباسية استقرارا كبيرا في النواحي المالية والإدارية والقضائية، وبقية تنظيمات الجهاز الإداري للدولة، واتبع المنصور أسلوب المركزية في الحكم، وقد ساعده على ذلك وجود نظام دقيق للمراقبة؛ مكنه من معرفة ما يجري في الولايات عن طريق البريد، فقد كلف عمال البريد بمراقبة الولاة، والكتابة إليه عن عماله وعن الأسعار والأموال والقضاة، واهتم المنصور باختيار ولاته وعماله في جميع أجهزة الدولة، من ذوي الأخلاق الفاضلة والديانة والأمانة، وخصص المنصور جزءا كبيرا من وقته اليومي للنظر في الكتب الواردة عليه من أنحاء الدولة.
كما اهتم بالشؤون الحربية وتنظيم الجيش، وأسند قيادة الجيش لشخصيات عربية، كما أن معظم الجند كانوا من العرب، أما الوزارة فلم يكن لها نفوذ كبير في عهده، غير أنه جعلها نظاما سياسيا لها مراسيمها الخاصة، وقد تميز القضاء في عهده بالتنظيم، وظهر المذهبان الفقهيان المالكي في الحجاز والحنفي في العراق [2] .
أما الشرطة وهي تابعة للقضاء آنذاك، فقد حرص المنصور على متابعة أخبار أصحاب شرطته، وإنزال العقوبة بمن جاوز حدود سلطته.
وكان المنصور أول من اهتم بالعلوم من خلفاء بني العباس، وأول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية من كتب الفلك والرياضيات والطب والأدب، كما بدأ ازدهار التدوين في عهده في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ وغيره، ومن أشهرها كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وكتاب السيرة النبوية لابن إسحاق.
وكان جامع المنصور ببغداد -وهو أحدث مسجد جامع بها- أشهر مركز للتعليم في الدولة الإسلامية، ويحكى أن الخطيب البغدادي لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله -عز وجل- ثلاث حاجات أخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) ، فالحاجة الأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد، والثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي [3] .
(1) انظر المقدسي: أحسن التقاسيم، ص: 73 وما بعدها، وفي القديمة ص: 205، طبع مكتبة مدبولي - مصر، ففيه تفصيل لهذه الحركة العلمية النشطة.
(2) موضى الرميح: الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور وسياسته الداخلية والخارجية، رسالة ماجستير بكلية الآداب للبنات بالدمام (1409 هـ) ، (الخاتمة) ، وانظر الذهبي: سيرة أعلام النبلاء 13/ 302، وما بعدها، مطبعة الرسالة - بيروت.
(3) انظر: ابن أبي أصبيعة: طبقات الأطباء 1/ 25، طبع بيروت، وانظر آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة دكتور عبد الهادي أبو ريدة 1/ 296.