فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 95

دولار، عادت فأباحتها بقانون طرب له الشعب الأمريكي؛ أما المجتمع الإسلامي فهو يقاوم الذين يبيحون المحرمات، ويرفضون فتاواهم، ويصوغ حياته - أفرادا أو عائلات - أو تقاليد وعادات، أو تربية أو أخلاقا ... وفق شريعة الإسلام.

وإذا نظرنا إلى خضوع المجتمع الإسلامي للشريعة من زاوية انبثاق أفكار المسلم وسلوكه عن عقيدته، مثلما تنبثق الأخلاق المادية عن الاشتراكية، والأخلاقية الفردية والبورجوازية عن الرأسمالية، والسلوكيات المتخبطة عن العقائد الوثنية؛ فسوف نجد الصلة قوية بين عقيدة التوحيد، وقيم المسلم المسيطرة عليه، {فهناك قيم وأخلاق تنبثق من تصور أن هناك ألوهية واحدة، وعبودية شاملة لكل شيء وكل حي ... وهناك أخلاق تنبثق من التصور الإسلامي للوجود وعلاقته بخالقه، ولمركز الإنسان في هذا الوجود، ولغاية وجوده ووظيفته، ونوع ارتباطاته وعلاقته بالكون المادي، وبالإحياء وببني جنسه كذلك، وعلاقة هؤلاء جميعا بالله} [1] ، وبإيجاز: فإن الأوضاع الاجتماعية بجملتها، والأوضاع السياسية تطبيق واقعي للقيم المنبثقة من هذا التصور [2] .

وبالإضافة إلى الترابط العضوي بين العقيدة والشريعة من جانب، وحياة المسلم من جانب آخر، فثمة طبيعة أخرى للإسلام تجعل الترابط بين حياة المسلم ودينه ترابطا قويا؛ لا ينحصر في دائرة العبادات - مع اتساعها - ولا المعاملات - مع اتساعها - بل إن العلاقات التشريعية الإسلامية تغطي كل النشاطات البشرية في المجتمع، وليس هناك منطقة يشعر فيها المسلم بأنه خارج دائرة الثواب والعقاب؛ ولئن كانت المصادر الشرعية صادرة عن الوحي فإن التطبيق الحي لأصولها في واقع الحياة، جعلها تثمر ثروة فقهية تراكمت أحكامها من خلال الصلة المباشرة بين الجمهور والفقهاء، فالناس يقصدون الفقهاء بمشكلاتهم، ويقصدون القضاة بمنازعتهم، وهم يجدون من الفقهاء والقضاة والمحتسبين والعلماء؛ الرأي والتوجيه والكل يأخذ من شريعة الإسلام [3] !!

وفي ضوء هذه الحقائق يتجلى لنا -بيقين- أن القول الذي يلوكه العلمانيون حول عدم تطبيق الشريعة في التاريخ الإسلامي وفي الحياة الإسلامية بعد الراشدين يمثل غاية في الاستخفاف بالعقل البشري، وهو يؤدي - كما يقول الكاتب والمفكر {غير المنحاز لتراثنا} (محمد عابد الجابري) إلى عدمية مخيفة - إلى {العدم التاريخي} [4] ، فأين سنضع الآلاف بل عشرات الآلاف من الفقهاء الذين عرفهم تاريخ الإسلام؟ وأين سنضع كتب الفقه والاجتهادات والفتاوى؟ ونحن إذ نطلق هذه الأحكام التعسفية نتساءل مع الجابري: ما حقيقة إسلام أجدادنا وأسلافنا؟ ألم يكونوا مسلمين؟ ألم يطبقوا الشريعة في عباداتهم وعقود زواجهم ومعاملاتهم؟ إننا نقول: الإسلام دين ودولة ... نعم، وقد كان كذلك بالفعل، أما إذا قلنا أن الشريعة لم تطبق منذ الرسول عليه الصلاة والسلام أو منذ الراشدين، فمعنى ذلك أن الإسلام لم يكن دينا مطبقا، ولا

(1) العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 272.

(2) المرجع السابق.

(3) طارق البشرى: ندوة التراث وتحديات العصر، القاهرة (1984 م) (مركز دراسات الوحدة العربية) .

(4) انظر بتصرف كتابات محمد عابد الجابري: في {المسألة الثقافية} ، ص 67، وغيرها، نشر مركز دراسات الوحدة العربية، وانظر الجابري {الدين والدولة وتطبيق الشريعة} ، ص 62، ومواطن كثيرة، بيروت 1996 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت