ونحن بالطبع لا نقوِّم هنا شتى السلوكيات التي وقعت في عصور تاريخية كثيرة، كي نثبت صحة هذه الحقيقة [1] بدءا بخلافة علي ومعاوية (رضي الله عنهما) ، وحتى ثورة البربر في المغرب ضد ولاة الجور، الذين كانوا يبقون الجزية على من أسلم، وأيا كان الأمر؛ فعندما كانت تتكاثف الأخطاء وتكل السواعد عن حمل الراية الإسلامية والحضارية، كانت سواعد أخرى فتية تتقدم، فتنتهي المرحلة السابقة، وتبدأ مرحلة لاحقة ... لتكن السواعد القادرة على حمل الراية سواعد عربية أو بربرية أو تركية أو فارسية أو كردية أو حتى مماليك، من هؤلاء الذين كانوا عبيدا فرفعهم الإسلام بحضارته إلى مستوى القيادة والسيادة ... ليكن هؤلاء أو أولئك ... المهم أن يكونوا تحت الشعار الثابت شعار الإسلام.
إن حضارة الإسلام حضارة منفتحة قادرة على المواجهة، وتغيير أدوار البطولة بين أبنائها، والكشف عن طاقتها الكامنة، واستثارة كل الطاقات.
وفي نهاية هذا الشوط، وبالإضافة إلى كل ما ذكرناه ... نقول: إن رصد المجتمع الإسلامي من داخله يحتاج إلى تحليل اجتماعي خاص؛ فهذا المجتمع يمزج بين العبادات والمعاملات، وتمتد فيه مساحة العبادة، فتصبح الأرض كلها في مفهوم المسلم وسلوكه مسجدا.
ولا يصلح للمسلم أن يعطي للمسجد يوما وينفلت من العبادة بقية أيام الأسبوع، وعندما ننظر في حقيقة العبادات والشعائر التي يطالب المسلم بها، ولا يستحق صفة الإسلام إذا لم يؤدها، نجدها ذات طبيعة اجتماعية، فهي غير محصورة في المسجد أو الفرد أو الأسرة.
فالصلاة ذات أبعاد اجتماعية، والحضور لها في المسجد يحقق صلات، ووظائف اجتماعية ... وصلة الزكاة بأنواعها المختلفة بالحياة الاجتماعية لا تحتاج إلى دليل، ويتفرع عن العبادة وظائف اجتماعية لها قيمتها، وعلى رأسها: بر الوالدين، وصلة الأرحام، وحقوق الجيران، وزيارة المرضى، وحق الضيافة؛ الذي يذهب فقيه مثل ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) إلى وجوبه ثلاثة أيام ... كما يذهب إلى أن (حق إعارة الماعون) فرض، كذلك في حدود الطاقة ...
ولو ذهبنا نستقصي شتى العبادات والأوامر، والنوافل المؤكدة، وفروض الكفاية؛ لوجدنا أن المسلم - بحكم كونه مسلم يعيش الحياة كلها محكوما بشريعة الله، ولا يجد إلا الله يتجه له بنشاطه؛ لأن هذا من مقتضيات توحيد القصد والعناية. {ومن ثم تعد كل خدمة اجتماعية وكل عمل من أعمال الخير عبادة} [2] ، قال صلى الله عليه وسلم: {الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار} [3] ...
وإذا رصدنا بعض الأخطاء فهذا - كما ذكرنا سلفا - ضرورة بشرية؛ لأن المجتمع الإسلامي ليس مجتمع معصومين أو ملائكة ... بيد أن ضمير المسلم ووعيه يرفضان الأخطاء، ولم يسع المجتمع الإسلامي إلى تقنين خطأ قط، أو تحويله إلى قاعدة، كما تفعل المجتمعات المادية والعلمانية؛ فعندما عجزت أمريكا منذ نحو قرن عن تحريم الخمور وأنفقت ملياري
(1) انظر في الحديث عن الخلاف بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - العواصم من القواصم ـ لأبي بكر بن العربي، بتحقيق محب الدين الخطيب، وانظر في تحقيق الفتن في المغرب: ابن عذارى: البيان المغرب، بتحقيق إحسان عبا س، وغيرهما من المصادر.
(2) سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص 15، طبع دار الشروق، ط (1400 هـ/ 1980 م) .
(3) رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي.