جياد كان يصنفها ويرسلها إلى المسؤولين على بلاد المغرب من بني أمية، وكانوا يحسنون جائزته، لم يعد منها إلى الشرق إلا القليل [1] .
وهناك قدر من التحيز الفكري يمكن أن يوجه -بدرجة ما- إلى كتب الجاحظ، مع أنها من أفضل الكتب في التاريخ الاجتماعي الإسلامي.
وقد تكون أنقى الكتب وأوفاها في هذا المجال، كتب الرحالة والجغرافيين كابن بطوطة، والبكري، وابن جبير، وابن فضلان، ومؤلفاته الحسبة، وكتب الفتاوى والفقه، والكتب المتخصصة في السياسية الشرعية، والأموال، والتجارة، والمسالك، وطبائع الملك، وشؤون المعاش، وأنواع الصناعات مثل كتب الأطباء العلمية ومؤلفاتهم في الصيدلة، والحيل والفلك .. فضلا عن التراجم والرجال والطبقات التي تعتبر من أكبر المناجم التي يغترف منها في حقل التاريخ الحضاري للأمة الإسلامية ... ذلك التاريخ المظلوم الذي يحتاج إلى أن تتجه إليه الجهود -فردية وجماعية- من جديد ... إبرازا للتاريخ الحقيقي للمسلمين، وتحديدًا للمكانة الحقيقية لشريعة الإسلام في تاريخ المسلمين، وفي صياغة حياتهم، وصناعة تطورهم وحضارتهم.
ومع هذا الظلم الذي لحق بالتاريخ الحضاري للأمة الإسلامية، ومع أن كتب التاريخ الإسلامي بصفة عامة ركزت على التاريخ السياسي الذي يتصل بنسبة قليلة محددة تمثل البنية الفوقية الحاكمة ....
ومع هذا فإن هذه الكتب لم تخل من تقرير لحقيقة الدور الذي قام به صناع هذه الحضارة من علماء ومفكرين، وإن جاء ذلك بطريقة غير مباشرة وإجمالية ... فعندما تقرأ الكتب الأساس للتاريخ الإسلامي -ابتداء من الطبري، وحتى تاريخ الجبرتي- نرى خط العلماء موازيًا ومضاهيًا لخط الخلفاء والسلاطين وأهل الحكم
وباستثناء الحكام الصالحين الذي لم يخل منهم عصر من العصور، ولا دولة من الدول كمعاوية، وعبدالملك، والوليد، وعمر، وهشام في الدولة الأموية، وأبي جعفر، والمهدي، والرشيد، والمأمون، والمعتصم في الدولة العباسية.
وباستثناء الممتازين في الأندلس مثل الداخل، وهشام الرضا، وعبد الرحمن الأوسط والثالث، والحكم المستنصر ... والممتازين في المغرب كبعض ولاة المرابطين وبعض الموحدين ... وبعض ولاة بني مرين، وبني حفص، وبني زيان ...
وباستثناء بعض الممتازين -كذلك- وهم كثيرون في السلاجقة، ثم كبار الأتابكة الحكام والعلماء مثل عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، ثم صلاح الدين الأيوبي الكردي، ثم كبار المماليك من أمثال سيف الدين قطز، وركن الدين بيبرس، وسيف الدين قلاوون، وابنه الناصر محمد وغيرهم ...
وباستثناء بعض الحكام العثمانيين وعلى رأسهم محمد الفاتح، والسلطان عبد الحميد ... باستثناء هذه الطبقة من كبار الخلفاء والسلاطين وأهل الحكم، نجد أن معظم ما نال الشعوب الإسلامية من خير كان الفضل فيه راجعًا إلى أهل العلم، سواء من
(1) ياقوت: معجم الأدباء، ص 13، ص 99 - 100، (ترجمة: ياقوت) ، طبع بيروت.