وحتى كتب التاريخ الحضاري، فقد صيغت بطريقة مجملة، فلم تتبع حياة صناع الحضارة بالتفصيل الكافي، وقد نجد ترجمة عالم كبير عاش سبعين سنة، وقدم العشرات الكتب، وخرج أجيالًا عالمة مجاهدة صانعة، ترد في مساحة لا تزيد على صفحة أو صفحتين ... وقد تكون المعلومات التي فيها مركزة على النواحي العادية التي تكاد يشترك فيها كل العلماء، دون أن تقدم هذه المعلومات رحلة معاناته، وخلاصة تجاربه، وأبرز آرائه، وإطاره الفكري العالم، وإضافاته العلمية والفكرية بطريقة فوق المستوى الإحصائي والببليوجرافي ....
يضاف إلى هذا أن الكتب التي عالجت -بحق- تاريخنا الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، قد اتجه بعضهما -على قلته- اتجاها متميزًا بتأثر بعض الضغوط الخارجية، فجاء كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني - مثلًا- تلبية لتوجيه شعوبي وعقدي ضد العرب، وضد أهل السنة، ولخدمة الحكم البيبهي الشيعي الذي كان قد نجح في التسلط على الخلافة العباسية.
لقد كان أبو الأصفهاني (ت 356 هـ) من أحفاد مروان بن محمد من بني أمية، وكان يعيش تحت مظلة السيطرة البويهية على الخلافة العباسية ... وخوفا من أن يحسب على بني أمية، ويقال أنه ناصبي يعادي آل البيت الذين يرفع شعارهم بنو بويه ... لجأ إلى المغالاة في حب آل البيت، وشوه تاريخ بني أمية بكل ما تستطيع من وسائل، وكتب الأغاني بأمر من وزير معز الدولة البويهي (إبراهيم بن عبد الله بن زيد) الذي كان أبو الفرج من أقرب ندمائه الملتصقين به، وكان الناس في ذلك العهد -كما يقول ياقوت الحموي في ترجمته لأبي الفرج- يحذرون لسانه، ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته ومؤاكلته ومشاربته على كل صعب من أمره؛ لأنه كان وسخا في نفسه ثم في ثوبه ونعله ( ... ) [1] .
ومع ذلك فإن مؤلفات ابن قتيبة وابن عبد ربه، على ما فيها من تجاوزات -بالإضافة إلى كتب أخرى- كلها رصدت الحياة الاجتماعية؛ لكن كتب أبي الفرج تمثل -مع قدر كبير من التحفظات- أكثر مؤلفات رصدت الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للأمة الإسلامية في عصره، وحسبنا أن نذكر مؤلفاته -غير الأغاني- لنعرف كيف أنه تطرق إلى موضوعات كثيرة غير التاريخ السياسي، فمن مؤلفاته: مقاتل الطالبيين، وكتاب أخبار القيان، وكتاب الإماء الشواعر، وكتاب المماليك الشعراء، وكتاب الأدباء الغرباء، وكتاب أدب السماع، وكتاب أخبار الطفيليين، وكتاب مجموع الأخبار والآثار، وكتاب الخمارين والخمارات، وكتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار، وكتاب دعوة النجار، وكتاب أخبار جحظة البرمكي، وكتاب جمهرة النسب، وكتاب نسب بني عبد شمس، وكتاب نسب بن شيبان، وكتب نسب المهالبة، وكتاب نسب بني تغلب، وكتاب الغلمان المغنين، وكتاب مناجيب الخصيان؛ عمله للوزير المهلبي في خصيين مغنيين كانا له. وله بعد تصانيف
(1) ياقوت: معجم الأدباء، ص 13، ص 101، (ترجمة: ياقوت) ، طبع بيروت.