فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 95

ومع هذا التطور تخلى العرب عن لعبة الصراع على الحكم، واتجهوا إلى بناء الحضارة الإسلامية، فقدموا إنجازات طيبة للحضارة الإسلامي، بعد أن أضاعوا قرونًا كاملة في المشرق والأندلس في الصراعات الدموية تحت شعار أحقيتهم في الحكم!! وارتفع شأن أصحاب الوظائف المدنية أو (أرباب الأقلام) -كما كانوا يسمون - حتى أصبحوا يناظرون الحكام والقادة والمحاربين، أو (أرباب السيوف) . وعن هذا الطريق وصل الأفراد من أبناء الجماهير إلى نصيب طيب من السلطان والجاه، فإلى جانب أصحاب السلطان والقادة والجنود وحكام النواحي -وكلهم كانوا من الأجناس التي احترفت الحرب واحتكرت شؤون الحكم في العالم الإسلامي- قام (( الوزير ) (( الكاتب ) (( وكتاب ديوان الإنشاء ) )، و (( أهل الحساب والشؤون المالية ) )، و (( القضاة ) )، و (( الفقهاء ) )، و (( أهل العلم ) (( الشيوخ ) )، وكان هؤلاء قابضين على نصيب كبير من زمان الحكم -فعلا- وهذا النصيب هو الذي استطاعت أن تصل إليه الجماهير في مختلف بلاد الإسلام [1] .

وبهذا عرف أهل العلم من أبناء الشعوب الإسلامية كيف يشقون لشعوبهم طريقًا واسعة إلى القوة والجاه وسط تطاحن الأتراك والمماليك، ممن استأثروا بالحكم في الجناح الشرقي لعالم الإسلام كله. وكان لوصول أهل العلم إلى ذلك الجاه أثره الطيب في تحسين الأحوال العامة في المجتمع، فهم الذين ظلوا يتمسكون بعقائد الإسلام وشريعته، وعلومه، ومبادئه، وأخلاقياته، وتراثه المعنوي، ويذكرون الناس بالمثل الإسلامي الأعلى الذي ينبغي السعي لإدراكه!! [2]

بل إن غير المسلمين كانوا يجدون في المجتمع الإسلامي الفرصة المواتية للعمل الحضاري أكثر مما يجدون في أي مجتمع آخر في عالم العصور الوسطى ....

وعندما تحدث (ول ديورانت) عن العلوم عند اليهود ذكر أن العلوم الطبيعية والفلسفة عند اليهود تكاد أن تنحصر كلها في بلاد الإسلام، وذلك أن المقيمين في البلاد المسيحية في العصور الوسطى-كما يقول ول ديورانت- كانوا بمعزل عن جيرانهم؛ ولهذا لجئوا إلى التصوف والخرافات وأخذوا يمنون أنفسهم بمجيء مسيح ينقذهم مما هم فيه، وتلك كلها ظروف هي أسوأ ظروف يمكن أن ينشأ فيه العلم [3] .

أما في العالم الإسلامي فقد وصل اليهود إلى أرقى المناصب، وكادوا يحتكرون حرفًا بأكملها لهم، واستفادوا من علوم المسلمين الطبيعية، وقد سيطروا على فن الطب في مصر بعد قدوم ابن ميمون إليها عام (1165 م) [4] .

لكن المشكلة أن بعض كتب التاريخ العام ظلمت أعلام حضارتنا، ولم ترصد حياتهم كما رصدت حياة الحكام والعساكر ... وهذا صحيح، بل هذه هي مشكلة منهج كتابة تاريخ الأمة الإسلامية حتى اليوم.

(1) المرجع السابق: ص 212.

(2) المرجع السابق: ص 214.

(3) ول ديورانت: قصة الحضارة 14: 108، طبع مصر.

(4) المرجع السابق: 14/ 109 - 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت