فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 95

ككل- يبدو أنه منسوج من الحماقة، وتفاهة الأطفال، وغالبًا من الآثام الطفيلية، وحب الدمار. ونتيجة ذلك فإننا في النهاية حائرون في معرفة ما هي الفكرة التي نصوغها عن نوعنا الذي نشعر بفخر عظيم بمميزاته )) [1] .

لكن (( كانط ) )لا يلبث أن يجيب عن هذا اعتمادًا على فكرته المعروفة في فلسفة التاريخ، وهي فكرة (( التقدم ) ). فهو يرى (( أننا إذا اكتفينا فعلًا بالنظر إلى الأحداث التاريخية من وجهة نظر الأفراد المعنيين فقط فلن يصادفنا هناك سوى جمع مضطرب من الوقائع غير المرتبطة، والتي لا تعني شيئًا في ظاهرها ) ).

ولكن الأمر قد يختلف إذا حولنا انتباهنا إلى أحداث النوع الإنساني بأسره؛ بدلًا من أحداث الفرد. فإن ما يبدو من وجهة نظر الفرد فوضى وبلا قانون قد يبدو بالرغم من ذلك ذا نظام ومتعقلًا إذا نظر إليه من وجهة نظر الأنواع.

والوقائع التي بدأت فيما مضى بلا قيمة تبدو وكأنها تخدم هدفًا أكبر؛ فقبل كل شيء: إنه من الممكن أن يتبع التاريخ كما في الطبيعة، أو العناية الإلهية (يستخدم كانط الكلمتين بمعنى واحد) خطة طويلة المدى غايتها البعيدة هي الأنواع الإنسانية ككل، وقد يكون ذلك بتضحية بخير ومنفعة للفرد [2] .

ويلتقي مع (( كانط ) )في فكرة (( التقدم المطرد ) )كثير من فلاسفة التاريخ في عصر التنوير؛ فقد أشار (( أكتون ) )إلى أن التاريخ (علم تقدمي) وقال: إننا مرغمون على افتراض أن التقدم في الأمور الإنسانية هو الفرض العلمي الذي يكتب التاريخ وفقًا له [3] . وكان المؤرخ جيبون -أبرز مؤرخي عصر التنوير- من المتحمسين لفكرة التقدم المطرد لدرجة أنه زعم (بأن كل عصر في العالم أضاف وما زال يضيف إلى الثروة الحقيقية للسلامة الإنسانية وسعادتها ومعرفتها، وربما فضيلتها) [4] ، وقد سمي زعمه هذا (النتيجة السازة الخاصة) ، ومن الغريب أنه كتب هذه النتيجة في كتابة المعروف عن انحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، (الفصل الثامن والثلاثين) .. لكن فكرة التقدم المطرد سرعات ما انهارت على يد فلاسفة تاريخ القرن العشرين وعلى رأسهم شبنجلر، وتوينبي.

وعلى الرغم من وجود بعض العناصر اللاهوتية في فلسفة توينبي، ومن بعض تفاؤله الحذر بمستقبل للمسيحية ... إلا أن الفكر اللاهوتي كان أمره قد انتهى، ولم يعد يحظى إلا بقليل من التقدير؛ ذلك لأن إلغاء دور الإنسان الأساسي في صناعة التاريخ أمر لا يمكن قبوله، كما أن القول بأن حوادث التاريخ تخضع لقدرة ربانية؛ لا تترك للإنسان دورًا يوازي مسؤوليته هو أمر مرفوض أيضًا؛ بل إن هذا الفكر اللاهوتي الذي يسميه الفيلسوف والمؤرخ (( غوستاف لوبون ) )

(1) و. هـ. وولش: مدخل لفلسفة التاريخ، ترجمة أحمد حمدي، مؤسسة سجل العرب، مصر 1962 م، ص: 166.

(2) وولش: مدخل لفلسفة التاريخ 167.

(3) إدوارد كار: ما هو التاريخ، ترجمة أحمد حمدي، نشر مؤسسة سجل العرب 1962، ص: 144.

(4) إدوارد كار: المرجع السابق، ص 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت