فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 95

التاريخ معناه، ويجعله بلا معنى، والفرق بين التصور اللاهوتي (اليهودي والمسيحي) للغاية التاريخية، وبين التصور الإسلامي ... أن الغائية في التصور الإسلامي لا تقفز فوق مؤهلات الدنيا، ولا تختزل الدنيا بكل ما تتطلبه من معقولية وإيجابية اعتمادًا على الغاية النهائية ... إنها تبتعد إلى الآخرة عن طريق الدنيا، وبقدر الإيجابية في الدنيا- مع استقامة الوسائل، وشرف الغايات - تكون الدرجة في الآخرة.

إن الفلاسفة العقليين في عصر التنوير (الأوروبي) قد حاولوا علاج الخلل في التصوير اللاهوتي للغائية؛ لكنهم سقطوا في حفرة أعمق فجعلوا الغاية دنيوية بحتة ... إنهم قد يكونون معذورين ... فاللاهوت المسيحي يسيء إلى الدنيا إساءة بالغة، ويجعلها صفرًا في الرحلة إلى الخلود ... بينما هي الطريق ... إنه يقول: اهجر الدنيا؛ تضمن الآخرة، وازهد في الطيبات ... ولا تعمر ... ودع ما لقيصر لقيصر ... وحسبك أن تؤمن بالمخلص الذي انتحر [1] من أجلك ... أما التصور الإسلامي فيدعوك إلى المشاركة الكاملة في الدنيا تعميرًا وأكلًا من الطيبات، ومقاومة للباطل، وصناعة لمؤسسات الحق، ونشرًا للخير والمنفعة ... وأنت عندما تموت في هذا الطريق تكون قد عبرت الدنيا عبورًا كريمًا، وأديت واجبك بهذا الحضور الدنيوي المكثف .. وإياك والغياب عن الدنيا وتركها للباطل يمرح فيها، وإياك أيضًا أن تجعل أهدافها -مثل الفلاسفة العقليين- دنيوية بحتة ... إن عناية الله توجه التاريخ البشري وترعاه، وتقوده ليوم لا ريب فيه، لكن ذلك لا يتم على حسابك أيها (( الإنسان ) )... أيها الفاعل والصانع للتاريخ والحضارة - برعاية الله .... إنك مسؤول مسؤولية كاملة ... وعلى قدر مسؤوليتك تحاسب، وعناية الله تعفيك من الحساب عن الكوارث الطبيعية، وعن كل ما هو فوق طاقتك!!

إن حركة التاريخ أمامنا قد تصيبنا بنوع من الضبابية في الرؤية، وقد يخيل إلينا -في بعض اللحظات- أن الغاية غير معقولة، لكن عدم إدراكنا لمعقوليتها لا يعني عدم وجودها، فعقولنا المجزأة، والتي تعمل بطريقة محكومة بالبيئة وبمؤثراتنا الذاتية لا تقوى على رؤية المعقول الكلي ...

لنتذكر هنا قصة موسى والخضر عليهما السلام.

إن (( كانط ) )شعر بهذه الأزمة وتساءل: (( إن أحدًا لا يستطيع تجنب شعور معين بالامتعاض، عندما يلاحظ أفعال الناس التي تعرض على المسرح الكبير للعالم؛ فالأفراد يظهرون الحكمة هنا وهناك، ولكن نسيج التاريخ الإنساني -

(1) التصور المسيحي يرى أن المسيح عليه السلام قبل أن يقتل طواعية من أجل التكفير عن خطيئة أبينا آدم وخطايا أبنائه، وكان يستطيع -كابن لله- أن ينقذ نفسه، أي أنه -بإيجاز- انتحر، والإسلام يرفض عملية القتل أصلًا، ويرى أن الله أنقذه من أيدي اليهود، ورفعه إليه، كما أنه برفض الانتحار!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت