لا استمرار أبدي ... بل هي رحلة مغلقة ... لها بداية ونهاية ... بطلها الإنسانية ... ولن تكون هذه الرحلة عبثًا باطلًا ...
فالعناية الإلهية لا تخلق للهو ولا للعب ... وحاشاها ... إنها أعظم من أن تجعلنا دمى، أو قطع شطرنج ... إن لنا وجودًا بقدر مسؤوليتنا ... إننا مكلفون بمهمة خالدة ...
(( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين* بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ) [الأنبياء: 16 - 18] . والحق (( رسالة الأنبياء ) )... حداة القافلة الإنسانية وهداتها ....
وفي النهاية تنتهي فصول الكتاب والملحمة (( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ) [الأنبياء: 104] .
فالغاية الإنسانية المحتومة ... والمصير المحكوم بأعمال الناس، وبفاعلية الإنسان الإيجابية الصالحة في التاريخ ... (( فلا كفران لسعيه ) ) [الأنبياء: 94] ، لكن إذا انتهت دورة تاريخية وأغلق الستار؛ فمحال أن يعود أصحابها قبل يوم البعث: (( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) ) [الأنبياء:95] .
إنهم مسؤولون ... لقد كانوا أحرارًا، وكانت لديهم شارات الطريق وشروط الصلاحية ومؤهلات البقاء ... لكنهم صدفوا عن كل ذلك واعتمدوا على أبصارهم المحدودة؛ وعقولهم المكبلة بإطار وعي الزمان والمكان، وخبرة الجيل الواحد ... فاستحقوا الموت ...
لقد استمرءوا أن يكونوا مستهلكين في التاريخ .. مجرد موضوع من موضوعاته .... ولم يرتفعوا إلى مستوى خلافة الله في صناعة الحضارة، وعمارة العالم وتسخير كونه ... لقد عاشوا في دائرة الذات والمطالب الجسدية، ولم يهتموا بالمطالب الروحية، ولا بغايات الوجود ...
نعم: إن نهر الزمان متدفق موصول لا تكاد تنفصل فيه لحظات الماضي عن لحظات الحاضر عن المستقبل، لكن ذلك لا يعني أن الزمان لا يمكن تقسيمه إلى ماض وحاضر ومستقبل، وأن هذا التقسيم له وجود في الواقع؛ وهو وجود شعور ووعي وحياة والغاية داخلية وخارجية معًا، فكل كائن حي له غاية خاصة به تتعاون جميع أجزائه من أجل تحقيقها إنها غايته الداخلية التي تنسجم مع الغاية الخارجية؛ التي تربط كل غاية داخلية بالغاية الخارجية العامة؛ وهي تحريك أجزاء الكائنات نحو مصير واحد، يتم فيه الوصول إلى يوم السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي أو الفناء الأبدي.
إن وجود يوم ينتهي فيه التاريخ البشري ويتم فيه الحساب العام حقيقة لا بد من التسليم بها؛ فإن القول بأن التاريخ البشري -الذي له بداية يعترف بها الجميع- ليس له نهاية؛ هو أمر لا ينسجم ومنطق العقل، ولا الدين كله ... إنه يفقد