فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 95

كل الأحجار في التاريخ شواهد ناطقة تحكي قصة قوم كانوا هنا وصنعوا شيئًا ... ولم توجد بعد أحجار صامتة .. ومن العبث أن نحاول إخراس أصوات الماضي التي تخاطب عقولنا ووعينا التاريخي الفطري الذي يقول لنا: إننا جنس خاص .. إنسان تاريخي ... كائن يموت أفراده، وتموت بعض شرائحه ... لكنه باق إلى اللحظة الحاسمة ... القارعة!!

في أحقاب متفاوتة من التاريخ الإنساني وضعت العناية الإلهية شارات ثابتة تأخذ بيد كل حضارة تريد الإقلاع من جديد نحو الإنسانية النقية ...

قدم لنا أبونا آدم أول شارة حين أخطأ وتاب ... فإدراك الخطيئة والإقلاع عنها خاصة إنسانية متفردة ...

وقدم هابيل الشارة الثانية حين رفض أن يكون القاتل ورضي أن يكون المقتول ... في سبيل المبدأ ...

وقدم كل نبي شارة أخرى هي خلاصة حياته ودعوته ... إن هذه الشارات التي بدأت بآدم ثم نوح، وإبراهيم ... وانتهت بمحمد (عليهم السلام) هي معالم الهدى في التاريخ ... وكلها ذات جوهر واحد (( أن اعبدوا الله واتقوه ) ) [نوح: 3] ، والخلاف بينها في التفاصيل الملائمة لحياة الإنسان عبر التاريخ ...

-والانحراف في تاريخ الإنسانية جاء من ابتعادها عن هؤلاء الهداة العظماء ... إنها اصطرعت بعيدًا عنهم ... وتصارعت باسمهم بعيدًا عن الحوار الباحث عن الحق .... ودفعت أجيالًا كاملة لرفضهم ... واخترعت النظريات ضدهم ...

-ولن يعود التاريخ إنسانيًا إلا إذا انصهر العقل في بوتقة الإنسانية، ليكون عقل إنسان ... لا عقل شيطان!!

أجل: إن في تيار التاريخ تصاميم سابقة وثابتة ... لكنها لا تحول -ولم تحل- دون الإبداع ... إنها معالم ثابتة دائمًا حتى لا تتوه الإنسانية في الصحراء!!

في نهر التاريخ يتدفق الماضي موصولًا بالحاضر والمستقبل ... وتظهر القداسة في بعض العصور كما تظهر النجوم العالية التي يسترشد بها الملاحون في الليالي الطويلة المظلمة ... فليست البشرية بمجموعها مقدسة، كما أن هذه الإنسانية ليست مجموعة حيوانات مفترسة ... إنها هذا وذاك ... إنها أصلًا ... (( في أحسن تقويم ) ).. لكنها في أكثر مراحل التاريخ: في (( أسفل سافلين ) ).. وستتبادل البشرية هذه الأدوار المتعاقبة إلى يوم القيامة ...

وعندما يتآمر بعض المنسوبين إلى الإنسانية فيحاولون تحطيم فترات القداسة والمثال، فإنهم يسعون -بوعي أو بغير وعي- لقيادة الإنسانية إلى نسبية كاملة، وإلى ليل طويل معتم؛ لا نجوم فيه (!!) وستغرق السفينة لا محالة ... فالعقل والبصر لا يغنيان عن إشارات البصيرة الثابتة، وكواكب الحقيقة!!

-كانت البشرية لا شيء ... عدمًا لا ذكر له ... أحيتها العناية الإلهية ... وسوف تميتها بعد سلسلة حضارات متصارعة .... ثم تحييها ليوم الحساب الأخير ... فهكذا كانت لها بداية ... وكان لها سياق وجود حي هو: هذا التاريخ وهذه الحضارات .. ثم سيكون لها رجعة إلى الله للحساب النهائي!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت