وعبر تاريخنا الممتد في الزمان أربعة عشر قرنا، والممتد في المكان إلى مساحة كبيرة من أكبر قارات الأرض، والتي شملت -في قرون كثيرة- دولا تقترب من نصف العالم، وتسيطر على العالم المتحضر ما يقرب من عشرة قرون.
عبر هذا التاريخ ظهر آلاف من المشتغلين بعلوم النقد المنهجي، بدراسة علوم الحديث، وفروع السيرة والتاريخ، وبرصد الجوانب الإصلاحية والحضارية ...
وكان هؤلاء جميعا يتعاملون في الإطار البشري، بمعنى أنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل إنسان غيره يؤخذ من قوله ويترك، والمهم أن يكون النقد منهجيا قائما على أصول علمية، ولا يكون مجرد دعاوى أو افتراءات واختلافات، وقد وضعوا كتبا في أدب الاختلاف وأدب الحوار، وفي منهج الوصول إلى الحق من خلال النقد والتمحيص القائم على قواعد صحيحة والهادف إلى الحق ... وقد انطلقوا في ذلك من القاعدة النبوية الكريمة؛ التي تعلمهم أن المجتهد الذي تتوفر فيه مؤهلات الاجتهاد، والذي يلتزم منهج الحق مثاب، سواء أصاب في اجتهاده أو أخطأ ... وحتى يبذل المجتهد أكبر جهد في الوصول إلى الصواب، أعطى الإسلام المصيب أجرين، وأعطى المجتهد المخطئ أجرا واحدا!!
وفي حضارتنا العلمية كانت الأحكام الإجمالية مرفوضة، فالعقل المسلم درج منهجه في علوم الحديث وأصول الفقه والتفسير واللغة والبلاغة على تفكيك القضايا وتحليلها، ومن ثم إعادة تركيبها.
وقد بالغ العقل المسلم في التحليل (التفكيك عند أركون) لدرجة جعلت بعض المستشرقين (والمستشرق جب [1] على رأسهم) يتهمون العقل المسلم بأنه عقل (( ذري ) ) (أي جزئي غير قادر على التركيب والتقنين الكلي) !!
وعندما كان المسلمون يمرون ببعض محطات التخلف كانت تظهر فيهم -مثل غيرهم- بعض مظاهر التخلف؛ التي يرصدها خصومهم، ويزيد بعضهم برؤية مضادة وظالمة أن يجعل من هذه المظاهر سمة عصورهم كلها، وبالتالي سمة دينهم وحضارتهم!!
وإن أمة تملك علوم الجرح والتعديل، وعلوم النقد التاريخي قبل أن تعرفها البشرية، وتسبق العقل الحديث في التعرف على تفسير التاريخ، وعلوم العمران والحضارة ... هذه الأمة لا تحتاج إلى من يلفتون نظرها -من خصومها- إلى ضرورة نقد أصولها ... إنهم لا يريدون نقدا؛ وإنما يريدون هدما.
(1) انظر: كتابه (وجهة الإسلام) لكن (جب) تجاهل في هذا الاتهام أمرين:
أولهما: أن الذرية التي لا تعود إلى التركيب من سمات كل عصور التخلف وليست خاصة بجنس دون جنس.
وثانيهما: أن المسلمين أفرزوا مناهج علمية واكتشافات وقوانين وكليات وعلوما ونظريات رائعة فكرية وتطبيقية في عصور ازدهارهم.