على وتر حب العوام للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمهم إياه، فعمُّوا عليهم كثيرًا من الأمور، وروَّجوا بينهم كثيرًا من الضلالات، قوامها المغالاة في هذا الحب، والمبالغة في إطراء النبي صلى الله عليه وسلم، فنسبوا إليه ما هو منه أن الرسول مخلوق من نور الله، وأنه له ظل كسائر البشر، وأنه نور العرش، وأن الكون مخلوق لأجله. إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم
واجبة وجوب الصلاة والزكاة، فبها يكتمل إيمان العبد، وهي سبيل نيل الدرجات العلى، وهذه المحبة لا ينبغي أن تقود إلى الغلو والشطط، بل يجب أن يتحلى المؤمن في كل سلوكه بالوسطية والاعتدال، الذي هو من سمت الشريعة وخصائص الدين، فالوسطية هي السياج المنيع الذي يحفظ التوحيد من كل شائبة قد تشوبه، والغلو في كل الأمور سنة إبليسية، لا يفعلها إلا أصحاب الأوهام والظنون. ولقد حذر من الغلو والتنطع، حتى
ولو كان في شخصه صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّهُ عز وجل". رواه أحمد. وقال أيضًا:"لا تطروني أي: لا تمدحوني. كما أطرت النصارى ابن"
مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله". رواه البخاري. لأن النصارى"
ما ضلوا وما حادوا عن الجادة، إلا
بسبب غلوهم في إطراء عيسى ابن مريم عليه السلام، وقولهم فيه ما يهتز له عرش الرحمن، ومهما يعتذر مَنْ يغالون في النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يحبونه ويعظمونه لا نقبله؛ لأن صيانة التوحيد وحمايته ضرورة لا تقايض باعتذار، فما أُرسِلت الرسل إلا لنشر التوحيد وتبليغه، وليس من المعقول أن يُجعَل من الرسول أو النبي معولًا لهدم بنيانه الشامخ، أو تكدير نبعه الصافي. طال الكلام، وامتد الحديث بنا، فماذا بعد؟ إن كل ما تقدم ما هو إلا بساط نمده بين يدي هذا
الفصل؛ لنبحث السؤال الذي عنونَّا الفصل
به، وهو: هل النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور، أو هو نور؟ نقول: إن للكون سننًا إلهية لا تتبدل ولا تتغير، تسري على كل عناصره، لا يند عنها شيء أو أحد مهما علا أو ارتقى، فالكل خاضع لهذه النواميس الإلهية المحكمة، هذا أولًا. ثانيًا: إن الإيمان إذا اكتمل، فإنه يشيع في النفس إشراقًا وصفاء، ويملؤ القلب ضياء ونورًا، يفيض حتى ينعكس أثره على الوجه نورًا، ويكسب صاحبه القبول عند الناس، فيجعلهم يأنسون له حين لا يأنسون بغيره، ويستشعرون صلاحه حين لا يكون هناك أمارات للصلاح، غير هذا النور المعنوي الذي تستشفه النفس، ويلمسه القلب، فينشرح له الفؤاد، وتنقشع بسببه الظلمات التي شاعت في جوانب النفس. والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي من يحقق كمال العبودية لله
سبحانه وتعالى؛ لذلك فإنه معصوم منه سبحانه وتعالى، وله خصائص لا يشاركه فيها أحد من البشر، وهذه الخصائص من مظاهر تكريمه صلى الله
عليه وسلم، وبمثابة دلائل على