-قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ {2} " (الحشر 2) ."
ي) من الصفات التي ذم الله تعالى بها أهل الكتاب والأمم السابقة استخدامهم وسيلة الإخراج والإبعاد والطرد لمن يخالفوهم في الرأي أو يدعونهم للخير:
-قال تعالى:"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ {84} ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {85} " (البقرة 84 - 85) .
-تلك عشرة كاملة أرساها الله تعالى في كتابه الكريم لنتعرف منها على ضوابط التعامل مع الأوطان حبًا وانتماءً وتمسكًا ودفاعًا وألا يكون حب الوطن سيفًا مُسلطًا على الرقاب بالإخراج منه أو التهديد بذلك.
-ثالثًا: منظومة الانتماء في السنة النبوية المطهرة: لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثله في الانتماء للوطن وحب الأهل والعشيرة ولم يتبادر إلى ذهن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيُجبر على مفارقة هذا الوطن يومًا من الأيام، فعندما قال له ورقة بن نوفل:"ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومُك"، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:"أوَمُخرجِيَّ هم؟"قال: نعم، لم يأتِ رجل قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عودي، وإن يدركني يومُك أنصرْك نصرًا مؤَزَّرًا. ثم لم ينشب ورقةُ أن توفي، وفترُ الوحيُ" (رواه البخاري) ."
-قال السفيري رحمه الله"قوله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم؟) :"استفهام إنكاري على وجه التفجع والتألم، كأنه استبعد صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه من حرم الله وجوار بيته، وبلدة أبيه إسماعيل من غير سبب، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه فيما مضى ولا فيما سيأتي سبب يقتضي إخراجًا، بل كانت منه المحاسن الظاهرات والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله بأعلى الدرجات"."
ولأن مفارقة الأوطان تترك في القلب لوعة وحنينًا نجد أن الله تعالى أراد أن يُسرِّي عن النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه قوله تعالى:"إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {85} " (القصص 85) .
-يقول سيد قطب رحمه الله:"... يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة، يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُخرج من بلده، مُطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة التي لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريبًا من مكة، قريبًا من الخطر، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه، ومهد ذكرياته، ومقر أهله، يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقفه ذلك: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (القصص 85) فما هو بتاركك للمشركين."