-الوطن كلمة لها جرس خاص في الآذان، وقبضة في القلوب وقشعريرة في الأبدان. هذه الكلمة كثيرًا ما تغنى بها الشعراء وتفنن في ذكرها الأدباء وأصابت باللوعة والأسى الغرباء.
-الوطن هواء وسماء، عُشب وماء، تراب وطين، ذكريات وحنين , ضحكات وآهات، أهل وأحباب، أبناء وأحفاد، أفراح وأتراح، عبرات وابتسامات.
-إن الوطن عبارة عن مزيج من كل شيء، يسري في العروق، فإذا حُرِم منه الإنسان سار كالطفل الذي حُرم من حنان أمه فلا يجف له دمع ولا يهدأ له حال حتى يجتمع الشمل وتلتقي النظرات وتنسكب العبرات والزفرات فرحًا بذلك.
أولًا: تعريف الوطن بمفهومه الشامل: قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: (الوطن) : المنزل تقيم فيه , وهو موطن الإنسان , ومحله , يقال: أوطن فلان أرض كذا وكذا , أي اتخذها محلًا , ومسكنًا يقيم فيه.
-وجاء في تاج العروس:"الوطن منزل الإقامة من الإنسان ومحله , وجمعها أوطان".
-قال الجاحظ رحمه الله:"كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه".
قال الغزالي رحمه الله:"والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مُستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".
ولذلك فإن مصطلح"التغريب"يقصد به:"النفي والإبعاد عن الوطن عقابًا على ما يصدر من الشخص من جُرم في حق الآخرين أو في حق الوطن". وهو ما ذكر في تهديد قوم لوط عليه السلام له: ..."قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ {167} " (الشعراء 167) . وكذلك في قوله تعالى:"إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {33} " (المائدة 33) .
-أما عن مصطلح"الجلاء"جاء في التفسير الكبير أن معناه:"الخروج من الوطن والتحول عنه، والجلاء نوع من أنواع التعذيب". قال تعالى عن جلاء اليهود عن المدينة:"وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ {3} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {4} " (الحشر 3 - 4) .
-وكل ما سبق لا يجب أن يتنافى مع العقيدة والدين ففي سبيل العقيدة والدين هجر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الأوطان وتركوا كل غال ونفيس لإعلاء كلمة التوحيد ولكي يُعلِّموا من يأتون بعدهم من المسلمين أن الوطن الحقيقي ليس هو المكان الذي تحده الحدود والمعالم فقط ولكن هو كل مكان ترفع فيه كلمة التوحيد ويأمن فيه الفرد على نفسه وعلى إقامة شعائر دينه. قال تعالى:"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ {92} " (الأنبياء 92) . وقال تعالى:"وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ {52} " (المؤمنون 52) .