ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيئ. فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه ) )ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي أصيب على مذهبه فشفي وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيئ فإن طيئا أهدته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة.
وقال الزهري: لما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: (( لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) ).
قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبدالأشهل قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سار فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك. هل بعد هذا شيء قال: سحابة مارة [1] .
وتخلف عصاة مثل: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية ثم تاب الله عليهم بعد قدومه - صلى الله عليه وسلم - بخمسين ليلة كما سيأتي إنشاء الله تعالى.
2 -تخلف أبى ذر رضي الله عنه:-
لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول: (( دعوه إن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم وأن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه ) ).
حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقوله فتلوم أبو ذر على بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره.
ثم خرج يتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشيا ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق فقال رسول ... الله - صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله وهو والله أبو ذر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويحشر وحده ) ). فضرب الدهر من ضربه. وسير أبو ذر إلى الربذة. وفي ذكر موته وصلاة عبد الله بن مسعود عليه ومن كان معه في موته ومقامه بالربذة أحاديث لا تطول بذكرها. وكان أبو ذر طويلا
(1) (ابن هشام 5/ 202) .