والواقع أن أكثر أسلحة صربيا فعالية في مواجهة الناتو كانت آلتها الإعلامية. فمن خلال الصمود في مواجهة حملة القصف، والامتناع عن شن أي هجوم قد يعتبر ردة عسكرية فعا"، كان ميلوشيفيتش يأمل أن يحظى بمكانة"الضحية"في عيون المجتمع الدولي (28) . ولهذا الغرض، أثبتت دعايته أنها أكثر فاعلية. وكانت القنابل التي ضلت هدفها، أو تلك التي تسببت في دمار جانبي، ميزة في هذا الشأن. وبالفعل، كان يتم تطويع الصور المتلفزة لكل دمار ينجم عن قصف بقنبلة لتفسيرات من قبل العقول المبدعة السريعة التفكير، ويعزى هذا إلى بطء الناتو في البداية في تقدير أهمية تقديم روايته الخاصة للأحداث في الوقت المناسب و بطريقة قوية. لقد كانت حرب كوسوفو في الواقع حرب"ما بعد الحداثة"، على معنى أن الروايات التي تقال بشأن الدمار الناجم عن قنبلة ما، لم تكن تقل أهمية، في كثير من جوانبها، عن التأثيرات المادية التي تخلفها. وبالتالي، كان على الناتو، لكي يكسب الحرب، ألا يقوم فقط بقصف دقيق، ولكن أيضا برواية قصص مقنعة بشأن ما يحدث ولماذا يحدث."
ما ساعد الناتو على هذا هو أن حملة التطهير العرقي التي ارتكبتها صربيا في كوسوفو كانت بغيضة جدا إلى درجة أنها قوضت مكانة الضحية التي كانت بلغراد تسعى إليها. ومن ثم، مع أن حملة القصف قد جلبت انتقادات واسعة، فإن كثيرين اعتبروها أهون الشرين (29) . على العكس من ذلك، فقد تعثرت جهود المضي بالأعمال العدائية إلى نتيجة مقبولة بسبب حقيقة أنه لم يكن هناك أحد متيقنة من ماهية مزيج القصف والتهديد الذي سيرغم مليوشيفيتش على الاستسلام. وبالتالي، فإن التوسع المطرد في الأهداف المخول بقصفها كان نوعا من المحاولة والخطأ، مع كل المخاطر التي ينطوي عليها. ولكن بالطريقة التي تم بها، أثبت الأسلوب العسكري للناتو أنه جيد بشكل كاف، ليس فقط للحيلولة دون سقوط ضحايا بين طواقم طياريه، برغم وقوع بعض الحوادث المؤسفة، ولكن أيضا في الحفاظ على حوادث الدمار الجانبي ضمن الحدود التي يمكن علاجها سياسية. وبالتالي