الصفحة 169 من 214

توقعات فرانکس، فقد بلغ عدد القوات الأمريكية في مسرح العمليات 150 ألف جندي فقط في مايو 2003، وقلص هذا العدد في الأشهر التالية (11) . وفي هذا، ثبت أن انزعاج الجيش بشأن أعداد القوات أكثر صحة مقارنة بالتفاؤل الذي ساور رامسفيلد؛ لأن النتيجة كانت خلق فراغ في القوة أدى إلى مضاعفة الفرص أمام أصحاب المصالح للتأكد من أن تأسيس دولة جديدة برعاية واشنطن لن ينجح. وقد عزز الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، الذي أبقاه صدام تحت السيطرة سابقة، التمرد البعثي الأساسي، بينها طبقت"القاعدة"أساليبها التي تتسم بوحشيتها لتأجيج نيران الوضع المهدد بالتحول إلى حرب أهلية، ولرفع تكاليف وجود القوات الأمريكية في العراق إلى أقصى حد ممكن. وبعبارة أخرى، تنطبق على العراق ما بعد صدام أفكار هوبز (*) أكثر من أفكار روسو. وبينما اتسمت أعمال العنف بالتأكيد ب"الوحشية والبشاعة"، فإنه لم تكن ثمة بوادر على"قصر"أمدها.

كانت أعداد القوات الأمريكية أقل مما يلزم للتعامل مع الوضع المتدهور باطراد، فضلا عن أنها لم تلق تدريبة كافية لأداء المهمة. وبناء عليه، فمن غير المستغرب أبدا أن ردود فعلها الأولية كانت، في أحسن الأحوال، فاعلة بصورة هامشية، أما في أسوئها، فقد نزعت إلى زيادة حدة المشكلات التي واجهتها. وسعت القوات الأمريكية - المنتمية إلى المدرسة القائلة بأن أفضل استخدام للقوة هو الذي يهدف إلى نزع سلاح الخصم بأقصى سرعة ممكنة - إلى تفعيل هذا النهج الأساسي، وإن على نطاق أضيق، في بغداد وغيرها من المناطق الحضرية. ولهذا الغرض، كانت القوات تتقدم فجأة لتشن هجوم مباغتة على معسكرات محصنة، بهدف توجيه ضربات سريعة إلى أهداف محددة، ثم تنسحب بسرعة في محاولة للحد من تعرضها لأعمال انتقامية. وبهذه الكيفية، كان الغرض هو القضاء على المتمردين والإبقاء على الإصابات في صفوف القوات الأمريكية عند أدنى حد لها. ولكن، بينها قد تكون استراتيجية شن الغارات منطقية في بيئة عملياتية أكثر تقليدية، فإنها أثبتت

(*) توماس هوبز (1588 - 1679) : فيلسوف و قانوني ومؤرخ إنجليزي من رواد نظرية العقد الاجتماعي، كان يعتقد على العكس من جان جاك روسو، بأن الناس مجبولون على الأنانية والصراع. (المحرر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت