اللازمة لوضع مواصلة القتال في موقع القلب من الاستراتيجيات العسكرية، استعدادا لليوم الذي يمكن أن يذوق فيه نابليون من الكأس نفسها التي أذاقها غيره.
ونظرا للطبيعة البطولية التي اتسم بها مشروع نابليون، فقد كان وقوع نكسة كبرى مسألة وقت فقط. وجاءت النكسة الأولى عام 1808 عندما حاول تشديد قبضته على إسبانيا بتنصيب شقيقه جوزيف ملكة على عرشها، الأمر الذي أشعل ثورة شعبية صارعت القوات الفرنسية من أجل قمعها. وقد أدرك الإسبان عقم أي جهود تبذلها قوات غير نظامية للقضاء على الجيش الفرنسي في الميدان، ولذلك استبدلوا بهذه الاستراتيجية ما نسميه اليوم تمردة:"العصابات". تعمد الإسبان أن يتجنبوا الكتائب القوية من القوات المعادية، مفضلين استخدام عمليات الكر والفر ضد قوات معزولة أقل حجما. فقد كانت معرفة"العصابات المتفوقة بالبيئة المحلية، فضلا عن مساندة سكانها المحليين، تعنيان التعرض لعبء الاحتكاك بقدر أقل مما تتعرض له القوات الفرنسية الأثقل حركة، وذلك ما يصعب مهمة ملاحقة تلك العصابات، إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لتوجه ضربة أخرى بشروطها. ساعد العصابات في ذلك الحملة البريطانية المتمركزة خارج البرتغال، والتي كان وجودها سببا في إحساس الجيش الفرنسي بالخطر عند ملاحقة تلك العصابات. ولذلك، وجد الفرنسيون أنفسهم متورطين في حرب استنزاف طويلة كبدتهم خسائر بشرية ومادية فادحة. وكانت تلك هي أول وأخطر مرة تنقلب فيها حظوظ الإمبراطورية الفرنسية، وهو ما انعكس سلبا على شعبية نابليون في الداخل. علاوة على ذلك، كان هذا القتال يعني تجميد 200 ألف جندي من أفضل جنوده، في حين كان نابليون في أمس الحاجة إليهم في ألمانيا. ولم يكن غريبا، إذا، أن يصف نابليون الحرب في شبه الجزيرة بأنها"قرحة إسبانية". (16) "
كانت التطورات التي حدثت في إسبانيا هي التي شجعت النمسا على فتح جبهة العداء ضد فرنسا في عام 1809 مجددا. وكا يروي التاريخ، فإن بقاء عدد كبير من قوات نابليون الأكثر خبرة على ساحة القتال في شبه جزيرة أيبريا لم يمنعه من معاقبة النمسا على