الصفحة 49 من 214

السخط إلى الخارج نحو الدول القومية. ولهذا، لم يصبح تشكيل الجيوش الكبيرة ممكنة من الناحية السياسية فحسب (بمعني استعداد الجماهير لتقبل أشکال شاملة على نحو متزايد من التجنيد من دون إبداء أي قلق من إمكانية توجيه تدريبهم العسكري ضد الدولة بل وباتت تلك الجيوش أيضا أمر محبذة بوصفها درعا وقائية ضد التهديدات الخارجية. هذه الخلفية هي التي مكنت بروسيا من التعويل على إمكانية تعبئة نصف مليون جندي بسرعة إبان اندلاع الحرب ضد فرنسا في عام 1870(3) . وبعد ذلك، أدى التنافس الكمي في ظل التوتر المتزايد في العلاقات الدولية إلى تشكيل جيوش أكبر حجم)، ما أدى إلى أنه مع حلول عام 1914 أصبح ممكنا تشكيل جيش ألماني من 1.5 مليون جندي تقريبا بمجرد اندلاع الحرب.

وجاءت الزيادة التنافسية في حجم الجيوش الأوروبية متزامنة مع تنافس نوعي في ظل تسارع إيقاع التغير التقني خلال القرن التاسع عشر. وقد أدى استخدام الطاقة البخارية على شكل سكك حديدية إلى تسهيل عملية نمو الجيوش بدرجة كبيرة، حيث أصبح من الممكن إرسال أعداد كبيرة من القوات بأسلحتها ومعداتها، وتركيزها على الجبهة بسرعة كبيرة، ومن ثم تزويدها بالإمدادات طوال وجودها ما لم تذهب بعيدا عن خطوط السكك الحديدية. كما استبدلت أسلحة متطورة بالأسلحة التي كانوا يستخدمونها في القتال، بوتيرة أسرع مما كانت عليه الحال سابقة. فالمخترعون وترسانات الدولة لم يعودا يبحثان عن الأسلحة الأفضل فحسب، بل أصبح ممكنة أيضا إرسال تلك الأسلحة إلى القوات بكميات كبيرة بفضل أساليب الإنتاج الكبير الجديدة التي حققت معدلات إنتاجية أكبر بكثير من معدلات إنتاجية الأساليب التقليدية المعتادة. وفي حين احتاجت بروسيا إلى 26 عاما تقريبا (1840 - 1866) للانتهاء من إدخال البندقية درايز Dreyse التي تذخر من الخلف، نجد أن محاولات فرنسا إعادة تزويد جيشها بالبندقية الخلفية التدخير شاسبو Chassepot بدأت في عام 1866 وانتهت خلال أربع سنوات فقط (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت