تفسر لنا تجربة بروسيا لماذا ظلت البندقية الأمامية التذخيرة التي يصل مداها الفعال إلى حوالي 100 متر ضد التشكيلات المقاتلة، والتي تصل سرعة إطلاقها إلى طلقتين في الدقيقة الواحدة، سلاح المشاة الثابت على مدار القرن ونصف القرن الماضيين. وخلال الخمسين عاما التي تلت تخلت هذه البندقية عن موقعها لصالح سلسلة من الأسلحة الأكثر فتك التي دخلت خطوط الإنتاج الجديدة، ما أدى إلى إنتاج البندقية ذات الخزانة المذخرة التي تجاوز مداها الفعال ألف متر، ومعدل إطلاقها حوالي 20 طلقة في الدقيقة. كما تلقت قوة المشاة النيرانية دفعة أخرى بعد إدخال المدفع الرشاش في أواخر القرن التاسع عشر. فالمدفع ماکسيم Maxim الذي اخترع في عام 1885 كان قادرة على الإطلاق بمعدل 600 طلقة في الدقيقة، وكان أصغر حجما وأخف وزنا من سابقيه، مثل الرشاش الأمريكي جاتلينج Gatling والفرنسي ميتريوز Mitrailleuse. وفي عملية موازية خلال الفترة نفسها، حلت محل المدافع التي تذخر من الأمام العائدة إلى عصر نابليون، مدافع أخرى تذخر من الخلف، مع وسائل أكثر فاعلية لزيادة معدل النيران. وأصبح المدفع الفرنسي الميداني السريع الطلقات من عيار 75 مليمتر الذي أدخل الخدمة عام 1897، نموذج بفضل مداه الذي يصل إلى حوالي 7000 متر وإطلاق النار بمعدل ست دفعات في الدقيقة. كل هذا كان يعني بالطبع أن الحرب أصبحت عملية أكثر فتكا بمرور القرن، وحربا تهدد بالتهام الجموع الجديدة من المجندين بالسرعة نفسها التي يتم بها نقلهم إلى الميدان. فقد كانت الحرب بالفعل تحتل موقع القلب من استراتيجية بروسيا.
استراتيجية التوحيد
كانت الاعتبارات الفنية المبينة أعلاه جزءا من خطة بروسيا لوضع استراتيجية شديدة التأثر بالمثال الذي قدمه نابليون الأول. فقد كانت عبقرية الإمبراطور العسكرية، وقدرته على تدمير القوات المسلحة المعادية بوسائل المعركة مثالا يحتذى، وكانت إنجازاته العظيمة محل دراسة وتمحيص شديدين. كان الأمر يتعدى مجرد عبادة البطل: ففي بروسيا کانت ذکري عام 1806 ذكرى أليمة للمخاطر المترتبة على انتهاج خط معتدل عند إدارة الحرب ..