الصفحة 51 من 214

فالجيش، الذي كان يتصرف طبقا للاعتبارات الاستراتيجية التقليدية العائدة إلى القرن الماضي، تعرض للدمار في جينا - أورستادت، وكان ضحية لرغبة نابليون الفائقة في الرهان بكل شيء على نتيجة المعركة عند أول فرصة. هذه النتيجة ألهمت کلاوزفيتس باستنتاج أن «من يستخدم القوة المفرطة من دون أدنى التفات إلى نتائجها الدموية عليه أن يتحلى بميزة التفوق إذا استخدم عدوه القوة بدرجة أقل» (5) . ولقيت هذه الفكرة آذانا صاغية بين زملائه في بلده. وفي المقابل، لقي إخضاع کلاوزفيتس هذا المنطق لاعتبارات سياسية أوسع آذانا صماء من جنرالات بروسيا الذين انصب اهتمامهم على شيء واحد، وهو ألا يتعرضوا للهزيمة مرة أخرى بسبب قلة المجهود الحربي. وكانت النتيجة هي تفضيل عملية الفصل بين الأهداف الاستراتيجية والوضع السياسي الذي أفضى إلى الحرب.

عبر هذا التفضيل عن نفسه بصورة عملية في قيادة هيلموت فون مولتکه الذي قدم، بوصفه رئيس أركان القوات البروسية - الألمانية، انتصارات عسكرية استغلها بسارك اليصوغا مع ألمانيا الإمبريالية. وعلى رغم اعتراف مولتکه (مقتبس من کلاوز فيتس) بأن الخلافات السياسية هي أساس الحرب، فقد تبني بشدة وجهة النظر التي تقول بأن السياسة يجب ألا تلعب دورا في إدارة الحرب:

تستخدم السياسة الحرب في تحقيق أهدافها، وتلعب دورا حاسية في بداية الحرب ونهايتها، حتى إن السياسة تحتفظ لنفسها بالحق في رفع سقف مطالبها أو الاكتفاء بنجاحات أقل. وفي ظل هذا الغموض، يجب على الاستراتيجية أن توجه جهودها دائما نحو الهدف الأسمى الذي يمكن تحقيقه بالوسائل المتاحة. ولهذا، فإن أفضل نجاح للاستراتيجية هو تحقيق الأهداف السياسية، وإن كانت تحركاتها مستقلة تماما عن السياسة.

وعند التطبيق، نجد أن رأي مولتکه يعني أن الأهداف الاستراتيجية، في ظل الوسائل المتاحة، يجب أن تركز دائما على تدمير القوات المسلحة المعادية (6) . ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال اللجوء إلى الحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت