يؤدي إلقاء عدد كبير من القنابل على الأهداف الحضرية إلى تدمير بعض المنشآت المهمة للمجهود الحربي للعدو. لكن لم يتوقع أن يسفر مثل هذا الأسلوب عن تحقيق نصر سريع، وفي الوقت ذاته أتاح للألمان فرصة كبيرة لإعادة النظر في أساليبهم الدفاعية ضد الغارات الليلية.
نشب صراع على التفوق الفني بين قاذفات سلاح الجو الملكي والدفاعات الجوية الألمانية، استنزف قدرة كبيرة من الدماء والأموال في كلا الجانبين. وكان من شأن التذبذبات المؤقتة في هذا الميزان أن تسفر أحيانا عن نتائج مذهلة. في عام 1943، على سبيل المثال، شن سلاح الجو الملكي سلسلة غارات على هامبورج، في عملية استخدم فيها معدات الملاحة الحسنة والتدابير الجديدة ضد الرادارات الألمانية. وبهذه الوسائل نجح في حرق قلب المدينة، وتعطيل المجهود الحربي فيها. وفي أعقاب هذه الغارات، حر ألبيرت سبير، وزير الإنتاج الحربي الألماني، هتلر من أنه «إذا امتدت سلسة من مثل هذه الغارات إلى ست مدن ألمانية أخرى فسوف توقف إنتاج الأسلحة تماما» . (25) لكن تدمير ست مدن أخرى بهذه الطريقة كان خارج قدرة سلاح الجو الملكي. فقد روجعت التكتيكات الدفاعية الألمانية بسرعة لتعويض الكفاءة المتدنية للرادارات، بما أدى إلى نجاح الألمان في معاقبة سلسلة الغارات اللاحقة التي استهدفت برلين. وبينما بلغ متوسط خسارة سلاح الجو الملكي في غاراته على هامبورج نحو 2.8? من الطائرات، فقد تضاعفت خسارته تقريبأ لتبلغ 5.2? في غاراته على برلين. (26) علاوة على ذلك، لم تشابه الخسائر التي تكبدتها العاصمة الألمانية، على رغم فداحتها، ما حدث في هامبورج. وحتى المراحل النهائية من الحرب، كان سلاح الجو الملكي يتكبد خسائر جسيمة من الدفاعات الألمانية، من دون القدرة على توجيه ضربات قاصمة ضد المجهود الحربي للعدو. ومع ذلك، فقد لعبت حملة القصف الجوي دورا مهما في هزيمة ألمانيا من خلال تدمير صناعتها العسكرية، وتوجيه عدد هائل من الموارد البشرية والمادية لمهمة الدفاع الجوي. لكن هذا كان مه فقط في سياق جهد أوسع استهدف استنزاف منتجات هذه الصناعة العسكرية، وهو جهد كان خارج قدرة بريطانيا بمفردها.